
في المرآة
الدروس والعبر في "الإسراء والمعراج"
يحيى الزيدي
مرت علينا قبل يومين ذكرى الإسراء والمعراج بالنبي محمد ﷺ إلى المسجد الأقصى والإعراج به ﷺ إلى السماء.
إذ لم تكن رحلة "الإسراء والمعراج" مجرَّد حدثٍ تاريخي، بل هي تجربة روحية عميقة تحمِل في طياتها معاني إيمانية عظيمة، وتُبرز ثباتَ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الحق رغم شدة الابتلاءات التي واجَهها.
نعم..بالروح والجَسد وباليقظة كانت رحلة الإسراء والمعراج، معجزة عظيمة لم تحدث لنبي من قبل نبينا الكريم محمد "صلى الله عليه وسلم" تكريمًا وتصديقا له "عليه الصلاة والسلام "، وتشريفًا للمسجد الأقصى وبيانًا لمكانته في الإسلام مصداقا لقوله تعالى (( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى)).. وعبده هنا تفيد أن الرحلة تمت بالروح والجسد، والإيمان بذلك واجب لأنهما ثابتان بالكتاب والسنة.
هذه الرحلة المباركة تحتوي على دروس عظيمة للمسلمين منها "الصبر واليقين والثبات على الإيمان في مواجهة الشدائد"، كما أنها تذكر المسلمين بأن الحياة مليئة بالصعوبات، لكن ثبات الإيمان والإصرار على الحق يفتح الأبواب ويجلب الفرج.
رحلة مباركة جرت ليلًا 27 من شهر رجب سنة 621 م مابين السنة الحادية عشرة إلى السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية.
انتقل النبي محمد ﷺ من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس برحلة سماوية بصحبة جبريل على دابة تسمى "البراق" وعرج به إلى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى.. أي إلى أقصى مكان يمكن الوصول إليهِ في السماء، وعاد بعد ذلك في نفس الليلة، وسُميت سورة الإسراء على اسم الحدث.
هذا الانتقال العجيب بالقياس إلى مألوف البشر، الذي تمَّ بقدرة الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والوصول إليه في سرعة تتجاوز الخيال، هي الرحلة الأرضية ُ "الإسراء" .
وأما قوله تعالى: «من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» فتفسيره: أن انتقال الرسول في رحلته الأرضية كان بين مسجدين، أولهما: المسجد الحرام بمكة في أرض الجزيرة العربية، وهو أحب بيوت الله في الأرض، والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد، وثانيهما: هو المسجد الأقصى بأرض فلسطين، مهد الأنبياء والرسل، وقد كان القبلة الأولى للمسلمين قبل أن يأتيهم الأمر بالتحول شطر المسجد الحرام الذي هو قبلتهم منذ ذلك الوقت إلى آخر الزمـان... والمسجد الأقصى من أفضل مساجد الأرض جميعا، والصلاة فيه تعدل خمسمـائة صلاة في غيره من المساجد. «الذي باركنا حوله» أي: الذي أفضنا عليه وعلى ما حوله بالبركات، دنيوية ومعنوية. «لنريه من آياتنا» أي: بعض الآيات الدالة على قدرة الله وعظمته، وليس كل الآيات.
أما المعراج: فهو الرحلة السماوية والإرتفاع والإرتقاء من عالم الأرض إلى عالم السماء، حيث سدرة المنتهى، ثم الرجوع بعد ذلك إلى المسجد الحرام، يقول تعالى في سورة النجم: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ .
وعلى الرغم من أن «الإسراء» و «المعراج» حدثا في نفس الليلة، فإن موضعي ورودهما في القرآن الكريم لم يترادفا، بل ذكر الإسراء أولا (في سورة الإسراء)، وتأخر الحديث عن المعراج إلى سورة النجم التي وضعت بعد سورة الإسراء (في ترتيب سور القرآن). وقد تكون الحكمة في هذا هي جعل الإسراء (وهو الرحلة الأرضية) مقدمة للإخبار بالمعراج، وهي الرحلة العلوية التي ذهل الناس عندما أخبروا بها.
وكان لهذا الحدث المميز في حياة المسلمين بداية لعهدٍ جديدٍ من النبوّة والرسالة، تتمثّل في بداية مرحلةٍ فاصلةٍ في دعوته -صلّى الله عليه وسلّم- فكان من الجيّد وجود حدثٍ يوضّح ويؤكّد ريادة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وعلوّ مكانته وحقيقة دعوته.
أن ذكرى الإسراء والمعراج تدعو المسلمين إلى التقرب لله سبحانه وتعالى في كل الأحوال، بالسراء والضراء، والسير على نهج النبي محمد ﷺ، والتمسك بالقيم والمبادئ الإسلامية السامية.