
من ضيق الأرض إلى رحابة السماء
الإسراء والمعراج.. حدث مهم في حياة النبي محمد ﷺ ومحطَّةٌ فاصلة في تاريخ الإسلام
صوت القلم / خاص:
تُعدُّ رحلةُ الإسراء والمعراج من أهم الأحداث في حياة النبي محمد ﷺ ، وهي محطَّةٌ فاصلة في تاريخ الإسلام، تحمِل في طيَّاتها دروسًا وعِبرًا ثمينةً تُلهم المؤمنين على مرِّ العصور، تَروي القصة رحلة النبي صلى الله عليه وسلم الليلة التي أُسري به من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس، ثم عُرج به إلى السماوات العلى؛ ليلقى ربه جل وعلا ويَشرُف بحديثه.
هذه الرحلة لم تكن مجرَّد حدثٍ تاريخي، بل هي تجربة روحية عميقة تحمِل في طياتها معاني إيمانية عظيمة، وتُبرز ثباتَ النبي صلى الله عليه وسلم على الحق رغم شدة الابتلاءات التي واجَهها.
ففي عام واحد، فقد النبي محمد ﷺ زوجته ورفيقة دربه السيدة خديجة، روحه وسكنه، وبعدها فقد عمه أبا طالب، داعمة وظهره في مواجهة أعدائه، بعدها خرج إلى الطائف باحثا عن نافذة أمل، فعاد مثخنًا بالخذلان، كان المشهد إنسانيًا إلى حدٍ موجع… وهنا، تحديدًا، بدأ الصعود.
ما قابله النبي ﷺ في الطائف
خرج النبي ﷺ إلى الطائف يرجو نصرة لدعوته، فإذا به يُقابل بأقسى ألوان الأذى.. سخريةً.. تكذيبًا، وتحريضًا للصبيان والسفهاء، حتى أُدمِيَت قدماه الشريفتان بالحجارة، ولم يجد ملجأً إلا ظلَّ بستانٍ يلوذ به من القهر قبل التعب، وفي ذروة هذا الإحساس بالخيبه والانكسار، رفع النبي ﷺ يديه الشريفتين إلى السماء بدعاءٍ يفيض ضعفا ووجعا وقله حيله وقال:((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي،إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني؟ أم إلى عدوٍ ملكته أمري؟
إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أُبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك أو يحل عليَّ سخطك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)).
فكان هذا الدعاء درسًا خالدًا في اللجوء إلى الله حين تنقطع كل حلول الأرض وعندما يخذلك أضعف المخلوقات وهم البشر.
بعد أن فرغ رسول الله ﷺ من دعائه، جاءه جبريل عليه السلام بأمرٍ من الله، ومعه مَلَك الجبال، فقال له: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا به عليك، وقد بعثني إليك لتأمرني بما شئت فيهم، وعرض عليه أن يُطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة، لينتقم له ممن آذوه.
لكن النبي ﷺ، وقد بلغ ذروة الألم، اختار ذروة الرحمة، فقال كلمته الخالدة:((بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا)).
وهذا يؤكد أن الرحمة كانت جوهر الرسالة، حتى في أشد اللحظات ،وهذا درس آخر نتعلمه أننا لانرد على الأذى بالانتقام، ولا بالبغض ولا بالكراهية بل نفوض امرنا إلي الواحد القهار ونصمت ونصبر ونشاهد كيف يرد ربك عنك الأذى ويجبر خاطرك ويعوضك خيرا.
وعندما عاد النبي ﷺ إلى مكة بدأت رحلة الإسراء والمعراج حين حل الليل، ونزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ ليقوده في أعظم رحلة عرفها التاريخ البشري.
شاهد جبريل عليه السلام على صورته الملائكية، وله ستمائة جناح يتساقط منها الدرّ والياقوت.
جاء جبريل النبي محمد ﷺ يحمل أمر الله، وقال له إن الله اختاره لهذه الرحلة المباركة، وأن عليه أن يركب معه البُراق، الدابة التي أسرع من البرق، تحمل جسده الشريف بلا تعب ولا كلل.
ركب النبي محمد ﷺ البُراق، وبدأ الانتقال من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، في رحلة خاطفة للزمن والمكان، لم يرَ مثلها أحد من البشر، عند وصوله إلى بيت المقدس، صلى إمامًا بالأنبياء جميعًا، كل نبيٍّ قابله كان مرآةً لتجربة: صبر، عزلة، اضطهاد، وانتصار مؤجل، ويقف محمد ﷺ، الرجل الذي رفضه قومه، إمامًا لكل الأنبياء، الرسالة التي حوربت، أصبحت المرجع، والنبي الذي أُوذي، صار قائدًا لكل من سبقه، في مشهدٌ يرمز إلى وحدة الرسالات، وكرامة الرسالة المحمدية.
بعدها بدأ النبي ﷺ المعراج بعد أن صلى في المسجد الأقصى، ارتفع إلى السماء الأولى، وكانت أول ما شاهده عظمة الخلق والنور الإلهي الذي يملأ السماوات، مشهدًا لا يُقاس بأي منظرٍ في الأرض.
الإسراء: رحلة إلى القدس الشريف
يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم في فترة مبكرة من الدعوة الإسلامية، وبينما هو في شدة من البلاء والاضطهاد في مكة المكرمة، أُسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في القدس، تُمثل هذه الرحلة في حدِّ ذاتها تحديًا للعقل البشري، فهي تتجاوز حدود المكان والزمان، وتُشير إلى قدرة الله تعالى على كل شيء قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [سورة الإسراء:1].
فوصولُ النبي محمد ﷺ إلى المسجد الأقصى يحمل في طياته رسالةً واضحةً عن وَحدة الأديان السماوية والترابط بين الرسالات الإلهية؛ لذا لم تكن هذه الرحلة مجرَّد انتقال جغرافي، بل هي رمزٌ للتواصل الروحي بين الأنبياء والرسل، وتأكيدٌ لرسالة الإسلام العالمية التي تُخاطب البشرية جَمعاء.
المعراج: رحلة إلى السماوات العلى:
بعد وصول النبي محمد ﷺ إلى المسجد الأقصى، بدأ معراجه إلى السماوات العُلى، وفي هذه الرحلة الروحية العظيمة التَقى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء والرسل السابقين؛ مما يُبرز مكانته العالية بين جميع الرسل، ويؤكِّد أن الرسالات الإلهية كلها تَصُبّ في نهر واحد هو التوحيد والإيمان بالله، قال تعالى:
{ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى * لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى }(النجم الآية 13 : 18 )
قال ابن كثير: "وقد رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جبريل ـ عليه السلام ـ على صورته التي خلقه الله عليها مرتين: الأولى عقب فترة الوحي، والنبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ نازل من غار حراء، فرآه على صورته فاقترب منه، وأوحى إليه عن الله ـ عز وجل ـ ما أوحى، وإليه أشار الله بقوله: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى }(النجم الآية 5: 10)، والثانية: ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى، وهي المشار إليها في هذه السورة " النجم " بقوله تعالى: { وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى }(النجم الآية 13: 14 ) .
صعود النبي محمد ﷺ إلى السماوات العلى لم يكن مجرَّد صعود جسدي، بل هو صعود رُوحي يتجاوز حدود العقل البشري في كل سماء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكرَّم بلقاء وحديث مع أنبياء ورُسل مَن الذين سبقوه؛ مما يُعزِّز مكانته ورسالته، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم مناظر عظيمةً تُظهر قدرة الله تعالى وجلاله وعظمته؛ لذا فرحلة المعراج كانت فرصة لنبي الله صلى الله عليه وسلم؛ ليطَّلع على عظمة الخالق وقدرته التي تتجاوز حدود الخيال.
الدروس والعبر المستفادة من الإسراء والمعراج:
تُقدِّم قصة الإسراء والمعراج العديدَ من الدروس والعبر القيِّمة للمسلمين، ومن أهمها:
ثبات النبي محمد ﷺ على الحق رغم الشدة: تُعَدُّ قصة الإسراء والمعراج مثالًا رائعًا على ثبات النبي صلى الله عليه وسلم على دينه ورسالته رغم الاضطهاد والمحن التي واجَهها في مكة المكرمة، هذه الرحلة كانت بمنزلة التعزية والدعم الإلهي له في أصعب فترات حياته، وهي تُلهم المؤمنين بضرورة الثبات على الحق والتمسك بدينهم رغم المصاعب والابتلاءات.
عظمة الله تعالى وقدرته:
تُظهر قصة الإسراء والمعراج عظمةَ الله وقدرته الخارقة على كل شيء، إن الرحلة الخارقة للعادة تُبرز قدرةَ الله على تجاوُز حدود المكان والزمان، وتُلهم المؤمنين بالتسليم لقدر الله والإيمان بقدرته المطلقة.
وَحدة الأديان السماوية:
إن لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء والرسل السابقين في المعراج يُؤكِّد وَحدة الأديان السماوية والترابط بين الرسالات الإلهية، فهذه الرحلة تُظهر أن جميع الدَّيانات السماوية تَنبُع مِن مصدرٍ واحدٍ هو الله تعالى.
أهمية الصلاة:
في رحلة المعراج فرض الله تعالى الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة على النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الفرضية تُبرز أهمية الصلاة في الإسلام، وكيف أنها ركيزة أساسية من أركان الإسلام، فالصلاة هي وسيلة التواصل بين العبد وربه، وهي رمزٌ للخضوع والإذعان لإرادة الله.
الاستقامة والتوبة:
رحلة الإسراء والمعراج تُذكرنا بأهمية الاستقامة على الطريق القويم، والرجوع إلى الله تعالى بالتوبة الصادقة عن الذنوب والمعاصي، فالنبي صلى الله عليه وسلم رغم مكانته العالية كان نموذجًا للاستقامة والخشوع لله، وهو دعوةٌ لنا جميعًا لنسير على نهجه.
الأمل والثقة بالله:
رغم الشدة والبلاء الذي كان يواجه النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، أظهرت هذه الرحلة أهميةَ الأمل والثقة بالله تعالى، فهي تُبرز أن الله تعالى مع عباده الصالحين دائمًا، وأن النصر قريبٌ من عنده مهما طال الانتظار.
تُعَدُّ قصة الإسراء والمعراج من أهمِّ الأحداث في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهي تُمثل محطة فاصلة في تاريخ الإسلام، تُحمل هذه القصة في طياتها دروسًا وعِبرًا ثمينةً تُلهم المؤمنين على مرِّ العصور.
إنَّ فَهم معاني هذه القصة يُساعد في تعزيز الإيمان والثبات على الحق رغم المصاعب والابتلاءات، ويُلهم المسلمين ضرورةَ التقرب إلى الله تعالى والتمسك بشِرعته الكريمة، ومن ثم فإنَّ قصة الإسراء والمعراج ليست مجرد قصة تاريخية، بل هي رسالة إلهية خالدة تُخاطب القلوب والأرواح على مرِّ العصور.
معجزات رحلة الإسراء والمعراج
وتعددت معجزات رحلة الإسراء والمعراج التي يمكن أن نذكرها في قصة الإسراء والمعراج مكتوبة باختصار كالتالي:
-نقل النبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في جزء من الليل، وهي مسافة تستغرق أيامًا.
- ركب النبي ﷺ دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل تسمى البراق، تضع حافرها عند منتهى بصرها.
- شُق صدر النبي ﷺ وغُسل قلبه بماء زمزم، ثم مُلئ حكمة وإيمانًا.
- دخل النبي ﷺ بيت المقدس وصلى بالأنبياء إمامًا، فقدّمه جبريل ليؤمهم.
- عرج النبي ﷺ من المسجد الأقصى إلى السماوات العلى، والتقى بالأنبياء في كل سماء.
- رُفع النبي ﷺ إلى سدرة المنتهى ثم إلى البيت المعمور.
- أُتي النبي ﷺ بإناء خمر ولبن وعسل، فاختار اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك.
- فُرضت الصلاة خمسين صلاة، ثم راجع النبي ﷺ ربه حتى خففها إلى خمس صلوات.
- رأى النبي ﷺ الكوثر في الجنة، وهو نهر حافتاه قباب الدر المجوف.
- كشف الله تعالى للنبي ﷺ عن بيت المقدس الذي لم يزره مسبقًا ليصفه لقريش عندما كذبوه فكان دليلا على صدقه.
- وصل النبي ﷺ إلى مقام سمع فيه صريف الأقلام، ورأى من آيات ربه الكبرى.
- الوصول لمقام يسمح للنبي برؤية نور الله تعالى مباشرة دون حجاب، كما جاء في بعض الروايات.
إن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن مجرد حادث عادي، بل كانت معجزة من معجزات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ورحلة لم يسبق لبشر أن قام بها، وقد أظهرت فضل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتكريم الله ـ عز وجل ـ له، وأن الإسلام دين الفطرة، وعظم وأهمية الصلاة في الإسلام، وأهمية المسجد الأقصى بالنسبة للمسلمين .