صحيفة ووكالة
الإخبارية المستقلة
الأحد 2026/2/1 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
العراق 2026–2035 من جغرافيا الصراعات إلى سيادة الممرات


المشاهدات 1114
تاريخ الإضافة 2026/01/21 - 8:55 AM
آخر تحديث 2026/02/01 - 8:18 AM

العراق 2026–2035 من جغرافيا الصراعات إلى سيادة الممرات

د. منتظر ناهي الزيدي

باحث في شؤون الطاقة والاقتصاد

في التحولات الكبرى للنظام الدولي، لا تُقاس قوة الدول فقط بما تملكه من موارد أو قدرات عسكرية فقط، بل بمدى قدرتها على توظيف الجغرافيا بوصفها أصلًا سياديًا. ومع تسارع ملامح تشكّل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، تعود الجغرافيا اليوم لتلعب دورها الحاسم، لا كعامل ثابت، بل كأداة فاعلة في إعادة توزيع النفوذ والفرص.

في هذا السياق، يبرز العراق كإحدى أكثر الدول التي أُسيء فهم موقعها تاريخيًا، رغم امتلاكها واحدًا من أكثر المواقع الجغرافية حساسية وتأثيرًا في العالم المعاصر.

من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الوظيفية

لم يعد العراق مجرد دولة تقع في قلب الشرق الأوسط، بل يمكن النظر إليه – من منظور التخطيط الاستراتيجي الحديث – بوصفه دولة عقدة (Node State) في شبكة الجغرافيا العالمية، حيث تتقاطع عنده مسارات:

شرق آسيا الصناعي الصاعد،الخليج العربي كمركز ثقل للطاقة العالمية،أوروبا الباحثة عن أمن الطاقة وسلاسل إمداد مستقرة،وتركيا وآسيا الوسطى كجسر قاري استراتيجي.

في الأدبيات الجيوسياسية المعاصرة، لم تعد قيمة الدول تُقاس بحدودها الجغرافية، بل بوظيفتها في حركة التجارة والطاقة والربط الدولي. ومن هنا، تبرز الفرصة التاريخية أمام العراق للانتقال من موقع التأثر بتوازنات النظام العالمي إلى موقع التأثير في هندسته الوظيفية.

لماذا تكتسب الجغرافيا العراقية أهمية مضاعفة في عام 2026؟

تتزامن هذه الفرصة مع ثلاثة تحولات بنيوية كبرى في النظام العالمي:

أولًا، تفكك العولمة التقليدية، واتجاه العالم نحو عولمة إقليمية وسلاسل إمداد أقصر وأكثر أمانًا، ما أعاد الاعتبار للممرات البرية المستقرة ذات الكلفة الأقل والمخاطر الأدنى.

ثانيًا، تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الممرات البحرية الحيوية، بما في ذلك البحر الأحمر ومضائق العبور العالمية، وهو ما دفع العديد من الدول إلى البحث عن بدائل برية موثوقة.

ثالثًا، إعادة تعريف مفهوم أمن الطاقة، مع توسع شبكات الغاز، والربط الكهربائي العابر للحدود، وبروز الهيدروجين كمصدر طاقة مستقبلي، ما جعل من الجغرافيا نقطة ارتكاز لا تقل أهمية عن الموارد نفسها.

الجغرافيا كأصل اقتصادي سيادي

إذا ما جرى التعامل مع الموقع الجغرافي للعراق بوصفه أصلًا سياديًا استراتيجيًا، فإن العوائد المحتملة تتجاوز الطرح النظري لتدخل نطاق الاقتصاد القابل للقياس، من خلال:

اقتصاد العبور والخدمات اللوجستية: رسوم مرور، تخزين، تأمين، مناطق صناعية وخدمية مرتبطة بالممرات.

الربط الطاقوي الإقليمي: دور العراق كمركز تنسيق وتوزيع لتدفقات الطاقة، لا كمصدر إنتاج فقط.

اقتصاد الجغرافيا الذكية: إدارة بيانات النقل، تمويل التجارة، التحكيم اللوجستي، وإدارة المخاطر.

وفي حال اكتمال البنية المؤسسية واللوجستية الداعمة، يمكن أن تصل هذه العوائد – على المدى المتوسط – إلى عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، دون تحميل الخزينة أعباء سيادية إضافية، ودون الاعتماد الحصري على تصدير النفط الخام.

الجغرافيا كأداة للأمن الإقليمي

في الاستراتيجيات الحديثة، لم يعد الأمن يُبنى على منطق الاصطفاف الصلب، بل على تشابك المصالح. فالدولة التي تتحول إلى عقدة عبور حيوية ومركز توازن اقتصادي، يصبح استقرارها مصلحة مشتركة لمحيطها الإقليمي والدولي.

بهذا المعنى، يمكن للجغرافيا أن توفّر للعراق:

ردعًا اقتصاديًا بدل الاستنزاف العسكري،حيادًا فاعلًا قائمًا على الوظيفة لا الهشاشة، وسيادة تستند إلى الدور، لا إلى الخطاب.

شرط التحول: الدولة الاستراتيجية، غير أن الجغرافيا، مهما كانت غنية، لا تعمل بذاتها. فهي تحتاج إلى:

قرار سيادي طويل الأمد، مؤسسات تخطيط عابرة للدورات الحكومية،وعقل دولة يرى في الموقع مشروعًا وطنيًا لا فرصة ظرفية.

فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول لا تفشل بسبب ضعف مواردها، بل بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية القادرة على تحويل الموقع إلى قوة.

الخلاصة

يقف العراق اليوم أمام لحظة نادرة في تاريخه الحديث؛ لحظة يعاد فيها ترتيب العالم، وتُعاد فيها صياغة الممرات والطاقة وسلاسل الإمداد.

إما أن يبقى ساحة تتقاطع فيها هذه التحولات، أو أن يتحول إلى معادلة فاعلة في تشكيلها.

في عام 2026، لا تُطرح المسألة حول ما إذا كان العراق يمتلك الموقع، بل حول ما إذا كان يمتلك الوعي الاستراتيجي لتحويل الجغرافيا إلى مشروع دولة وسيادة.


تابعنا على
تصميم وتطوير