صحيفة ووكالة
الإخبارية المستقلة
الأربعاء 2026/2/4 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
الهندسة العكسية.. بوابة العراق الواقعية لنقل التكنولوجيا وصناعة النهضة التقنية


المشاهدات 1055
تاريخ الإضافة 2026/02/03 - 8:28 AM
آخر تحديث 2026/02/04 - 1:08 AM

الهندسة العكسية.. بوابة العراق الواقعية لنقل التكنولوجيا وصناعة النهضة التقنية

 د. منتظر ناهي الزيدي

باحث في شؤون الطاقة والاقتصاد

في عالمٍ تحكمه التكنولوجيا وتُدار فيه القوة بالمعرفة، لم يعد نقل التقنيات ترفًا فكريًا أو خيارًا ثانويًا، بل أصبح مسألة سيادية تمس الأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة للدول. والعراق، بما يمتلكه من موارد طبيعية وبشرية، يقف اليوم أمام سؤال استراتيجي حاسم: كيف ننتقل من دولة مستهلكة للتكنولوجيا إلى دولة منتِجة ومطوِّرة لها؟

هنا تبرز الهندسة العكسية كأداة استراتيجية واقعية وفعّالة لتحقيق هذا التحول.

الهندسة العكسية ليست قرصنة صناعية كما يُروَّج لها سطحيًا، بل هي منهج علمي وتقني معتمد عالميًا، استخدمته دول صاعدة كاليابان، كوريا الجنوبية، الصين، وحتى الولايات المتحدة في مراحلها الأولى. جوهر هذا المنهج يقوم على تفكيك المنتجات والأنظمة التقنية، فهم منطق تصميمها، إعادة نمذجتها، ثم تطويرها بما يتلاءم مع الاحتياجات المحلية. إنها انتقال ذكي من الاستهلاك إلى الفهم، ومن الفهم إلى الابتكار.

من منظور التخطيط الاستراتيجي، تمثل الهندسة العكسية أحد أعمدة بناء القدرات الوطنية (National Capabilities Building). فهي تختصر الزمن، وتقلل كلفة التعلم، وتمنح الدول المتأخرة تكنولوجيًا فرصة القفز المرحلي بدل السير البطيء. العراق، الذي أنفق مليارات الدولارات على استيراد التقنيات في الطاقة، الكهرباء، الصناعة، والاتصالات، لم يحصد حتى الآن عائدًا معرفيًا حقيقيًا من هذا الإنفاق. السبب ليس نقص المال، بل غياب سياسة وطنية لنقل التكنولوجيا يكون فيها التعلم الإجباري ونقل المعرفة شرطًا في كل عقد استراتيجي.

أما من زاوية نقل التقنيات، فإن الهندسة العكسية تمثل الحلقة المفقودة بين الاستيراد والتوطين. نقل التكنولوجيا لا يتحقق بمجرد شراء المعدات أو توقيع مذكرات تفاهم، بل يتحقق حين تمتلك الدولة القدرة على التشغيل، الصيانة، التطوير، ثم التصنيع المحلي. وهذا لا يتم دون مراكز بحث وتطوير (R&D) مرتبطة بالمشاريع الكبرى، وفرق هندسية مدرَّبة على التفكيك والتحليل وإعادة التصميم.

في قطاع الطاقة على سبيل المثال، يستطيع العراق عبر الهندسة العكسية تطوير تقنيات محلية في:

- معالجة الغاز المصاحب

- - تحسين كفاءة وحدات التوليد

- أنظمة التحكم الصناعية

- تقنيات الصيانة المتقدمة

وهذه المجالات وحدها قادرة على توفير مليارات الدولارات سنويًا وخلق آلاف فرص العمل النوعية.

أما على المستوى التكنولوجي والأكاديمي، فالهندسة العكسية تمثل جسرًا طبيعيًا بين الجامعة والسوق. الجامعات العراقية تملك طاقات علمية كبيرة، لكنها معزولة عن الواقع الصناعي. إدماج الهندسة العكسية في المناهج، وربط طلبة الدراسات العليا بمشكلات صناعية حقيقية، سيحوّل الجامعة من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى محرك ابتكار وطني.

لكن، وللأسف، ما زالت هناك مقاومة بيروقراطية وفكرية لهذا التوجه، إما بسبب الخلط بين الهندسة العكسية والتجاوز القانوني، أو بسبب عقلية الريع والاستيراد السهل. والحقيقة أن القوانين الدولية للملكية الفكرية لا تمنع التعلم والتحليل والتطوير المحلي، بل تمنع التقليد التجاري المباشر دون إضافة معرفية. الفرق هنا جوهري، ويجب أن يكون واضحًا لصنّاع القرار.

إن نهضة العراق التكنولوجية لن تأتي بالخطابات ولا بالشعارات، بل بقرار سياسي–استراتيجي شجاع يتبنى:

1. سياسة وطنية للهندسة العكسية ونقل التكنولوجيا

2. اشتراط نقل المعرفة في جميع العقود الكبرى.

3. إنشاء مراكز وطنية للهندسة والتطوير.

4. ربط الجامعات بالمشاريع الصناعية والطاقة.

5. حماية المنتج المعرفي المحلي وتشجيع الابتكار.

 بوضوح واختصار :

الهندسة العكسية ليست خيار الفقراء تقنيًا، بل خيار الأذكياء استراتيجيًا.

ومن دونها، سيبقى العراق سوقًا للتكنولوجيا، لا صانعًا لها.

أما بها، فيمكن أن يتحول من دولة ريعية مستهلكة، إلى دولة منتجة للمعرفة، قادرة على بناء نهضتها التقنية بيدها وعقلها.


تابعنا على
تصميم وتطوير