صحيفة ووكالة
الإخبارية المستقلة
الخميس 2026/2/19 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
الآباء والأجداد… وهموم الأجيال


المشاهدات 1018
تاريخ الإضافة 2026/02/18 - 8:46 AM
آخر تحديث 2026/02/18 - 10:30 PM

الآباء والأجداد… وهموم الأجيال

مظهر محمد صالح

 

كانت طفولتي نشوءًا صارخًا في أسرةٍ وظيفية من دنيا خمسينيات القرن الماضي، بيتٌ يتكئ على راتبٍ ثابت وعلى يقين بأن الدولة هي الميناء الآمن في بحرٍ مضطرب. كان والدي، الذي عاصر ارتدادات الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن العشرين، يحمل في صمته نزعة حذر مالي عميقة، ويؤمن أن الأمن الوظيفي هو المعادل الموضوعي للاستقرار الأسري. كبرنا في ظلاله، ونحن من جيل يُعرف عالميًا بـ Baby Boomers، جيل تشكّل وعيه في ظل دولة مركزية ووظيفة حكومية واقتصاد ريعي يوزّع الطمأنينة بقدر ما يوزّع الرواتب.

كان أبي وأقرانه العمود الفقري للجهاز الإداري للدولة، يتكيّفون مع بيئة التوظيف العام، ويؤمنون بأن الخدمة العامة شرف واستقرار. كانوا جزءًا من بنية الاقتصاد الريعي، موظفين ومتقاعدين يعتمدون على الموازنة العامة، يعيشون سلام الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ويقيسون الزمن بإيقاع أبطأ، لكنه أكثر يقينًا.

فتحتُ عينيّ على وعي تكنولوجي بسيط لكنه مُبهج. ساعة يد أنيقة من نوع “نيفادا” كانت عيد نجاح لا يُنسى، ودراجة هوائية “فيلبس” كانت ذروة الطموح الطفولي. كان امتلاكهما دمجًا رمزيًا بين السرعة والزمن، كأن التقدم قد تجسّد في عقارب ساعة ودوران عجلة. يومها بدا لنا أن الحياة بلغت أقصى حداثتها.

مضت سبعة عقود، وأصبحنا أجدادًا. أنظر إلى حفيدي ذي الأشهر السبعة، الذي يدشّن انتماءه إلى Generation Beta، جيل التراكم الرأسمالي الرقمي الظلي، حيث تُخلق القيمة في فضاءين متوازيين: فضاء الإنتاج الحقيقي وفضاء البيانات. في عالم باتت فيه البيانات الندرة الجديدة، والذكاء الاصطناعي محرك تحويلها إلى قوة إنتاجية. سيكون موقع الفاعل في هرم القوة الاقتصادية مرهونًا بسرعة المعالجة الخوارزمية لا بطول سنوات الخدمة.

أما بيتنا، دار الجدّين، فقد غدا مساءً أشبه بمدرسة ابتدائية رقمية؛ خلية نحل من أحفاد ينتمون إلى Generation Z، تسبقهم شاشاتهم إلى الكلام، وتعلو صيحاتهم مع وميض العطلة الربيعية. مطالبهم ليست ساعة ميكانيكية ولا دراجة هوائية، بل لوحًا رقميًا يتجدّد كل عام، ولو حمل رموز العصر المسماري السومري في تطبيقٍ تفاعلي. إنهم جيل شديد الرقمية، شديد الألفة مع الذكاء الاصطناعي، لا يؤمن بأن الزمن يُقاس بعقارب، بل بسرعة الاتصال.

أتعجب من تعاقب الأجيال وتبدّل المفاهيم. أجد نفسي في حوار مفاهيمي مع أحفادي، حيث القيم تُتداول بلغة خوارزمية لا تهدأ. أنظر إلى حفيدي الصغير، كأن ابتسامته تقول: “يا جدي، نحن أول جيل يولد داخل منظومة رقمية مكتملة الأركان. لا تتحسر على مستقبلنا، دع عصرك الميكانيكي في متحف الذاكرة، وانظر معنا إلى ما سيكتبه الغد.”

وهكذا، بين ساعة “نيفادا” ولوح ذكي، بين دراجة هوائية وخوارزمية ذاتية التعلّم، يمتد خيط الزمن. لسنا في صراع أجيال بقدر ما نحن في انتقال من زمن كان يقيس الأمان بالراتب، إلى زمن يقيس القوة بالبيانات. ويبقى السؤال الأبدي: كيف نحفظ جوهر القيم ونحن نغيّر أدواتها؟

إنه عصر تدوير الزوايا في قلوبنا قبل عقولنا… حيث يصبح تليين المشاعر وفهم الآخر شرطًا أساسيًا. فالتغيير يبدأ من الداخل، من الرحابة والمرونة القلبية، قبل أن يمتد إلى الأفكار والسلوكيات.


تابعنا على
تصميم وتطوير