
هندسة القرار السيادي.. الطريق إلى دولة مستقرة
د. منتظر ناهي الزيدي
باحث في شؤون الطاقة والاقتصاد
لم تعد قوة الدول تُقاس بحجم مواردها، بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى سياسات دقيقة عبر منظومة قرار رشيدة. التجارب الدولية تثبت أن جوهر الاستقرار والتنمية لا يكمن في كثرة القرارات، بل في هندسة النظام الذي يُنتجها.
العراق، رغم ما يمتلكه من طاقات وإمكانات، ما زال يعاني من فجوة في بنية صناعة القرار. كثير من السياسات تُصاغ في إطار تفاعلي ظرفي، دون أن تمر عبر منظومة تحليل متكاملة تربط بين البيانات، وإدارة المخاطر، وتحليل الكلف، وقياس الأثر بعيد المدى.
من هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ: نموذج الزيدي لصناعة القرار السيادي وهو إطار مؤسسي يقوم على أربع ركائز مترابطة:
أولاً: سيادة البيانات اي لا قرار بلا قاعدة بيانات وطنية موحدة.
إن تضارب الأرقام بين المؤسسات يُضعف القرار ويُربك التنفيذ. إن سيادة البيانات تعني توحيد مصادرها، وربطها رقمياً، وجعلها الأساس الإلزامي لأي سياسة عامة.
ثانياً: تحليل الأثر المتعدد، كل قرار سيادي يجب أن يخضع لتحليل اقتصادي، واجتماعي، ومالي، وأمني قبل اعتماده. إن القرار لا يُقيَّم بنواياه، بل بآثاره المحتملة.
ثالثاً: إدارة المخاطر الاستباقية
المشاريع الكبرى والإصلاحات الهيكلية لا تُطلق دون خريطة مخاطر واضحة تتضمن احتمالات الفشل، وكلف التعثر، وخطط المعالجة.
رابعاً: القرار القابل للقياس
أي سياسة لا يمكن قياس نتائجها عبر مؤشرات أداء واضحة هي سياسة غير مكتملة التصميم.
المساءلة تبدأ من قابلية القياس.
هذا النموذج لا يهدف إلى تعقيد القرار، بل إلى تحصينه.
ولا يسعى إلى إبطاء الدولة، بل إلى منع كلف الأخطاء المتكررة.
إن الانتقال من إدارة الأزمات إلى هندسة الدولة يتطلب تبني إطار مؤسسي دائم، يرتبط مباشرة بالرئاسات الثلاث، ويعمل فيه مختصون في الاقتصاد، والطاقة، والإدارة العامة، وتحليل السياسات.
الدولة القوية لا تُدار بالانطباع، بل بالتحليل. ولا تُحصَّن بالخطاب، بل بالمؤشرات.
القيادة العليا تحتاج إلى وزراء يجيدون رسم السياسات على أسس تحليلية واضحة، وإلى مستشارين يُنتجون بدائل مدروسة لا توصيفات إنشائية. تحتاج إلى عقل استراتيجي قادر على الربط بين الاقتصاد والطاقة والحوكمة ضمن رؤية متكاملة.
إن إصلاح الدولة لا يبدأ بتغيير الأشخاص فحسب، بل بإعادة تصميم بنية القرار نفسها، بحيث يصبح كل قرار سيادي نتاج نظام مؤسسي واضح المعالم.
العراق يمتلك الإمكانات ليكون دولة ذات قرار رشيد، لكنه يحتاج إلى تبني نموذج مؤسسي يحوّل هذه الإمكانات إلى نتائج قابلة للقياس والاستدامة.
الدولة التي تُحسن صناعة قرارها: تُحسن إدارة مواردها، وتُحسن حماية مصالحها، وتُحسن صناعة مستقبلها.