صحيفة
الإخبارية المستقلة
الأحد 2026/3/29 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب


المشاهدات 1014
تاريخ الإضافة 2026/03/29 - 9:43 AM
آخر تحديث 2026/03/29 - 10:53 PM

فرجينيا وولف: والناقد العراقي في زمنٍ مثقلٍ بالحرب

 

د.مظهر محمد صالح

أدهشتني تلك السطور التي خطّها ثلاثة نقّاد، وأطلق عنانها الرابع، في قراءة ما كتبته من سردية عن حرب الشرق الأوسط، تلك التي خرجت من جيوب فرجينيا وولف المثقلة بحجارات الأسى، والتي قادتها إلى الغرق العمدي، بحثًا عن خلاصٍ من عالمٍ ظلّت حروبه تجري كجريان الموت الصامت، المغلّف بدخان المعارك وأنين الجراح.

فبعد نشري لتلك السردية الموسومة: «فرجينيا وولف وقلق الإنسان في الشرق الأوسط»، تلقيت نقدًا فراتيًا راقيًا من السيدة الفاضلة مها السعدون، التي اختزلت رؤيتها بلغة شفيفة، قائلة:

(( لقد قرأتُ في كلماتك ما يشبه “معطفًا حجريًّا” آخر، لا لترسيب الجسد في قاع النهر، بل لحماية الذاكرة من أن تذوب في مياه النسيان… لك مني الامتنان على هذا النص الذي علّمني أن الكتابة عن الحرب قد تكون، أحيانًا، فعل سلامٍ حقيقيًّا)).

ثم تلتها قراءة نقدية عميقة شكّلت محورًا مهمًا في جدلية الحرب والسلام، قدّمها الدكتور نبيل العبادي، حيث رأى فيها:

((مقاربة فكرية رصينة تجمع بين عمق التحليل واتساع الأفق… إذ نجح الكاتب في بناء جسر نظري متين بين تجربة فرجينيا وولف وواقع الحرب في الشرق الأوسط، دون الوقوع في فخ التطبيق الجزئي أو الاستشهاد السطحي… مقدّمًا الأدب بوصفه أداة معرفية قادرة على تفكيك آليات الهيمنة وإعادة تشكيل الوعي)).

ولم يغفل الدكتور علاء هاشم عن هذه السردية، فكتب برؤية نقدية مضيئة رائعة، متوقفًا عند أثر الحروب في تشكيل وعي فرجينيا وولف، وكيف انعكس ذلك على بنيتها السردية وأسلوبها الأدبي، مشيرًا إلى تناولها المبكر لصدمة الحرب النفسية، وتجسيدها العميق لمعاناة الإنسان، جنديًا كان أم مدنيًا، في عالمٍ تتكرر فيه الصدمات وتتعاظم فيه هشاشة الروح.

أما شيخ الصحافة الوطنية العراقية، الأستاذ زيد الحلي، فقد طرق أبواب الذاكرة والعقل معًا، مختزلًا المشهد بوعيٍ إنساني واسع، حين قال:

((إن بشاعة الحروب وآلامها لا تموت بالتقادم… وقد جسّدها كتّاب كُثر عبر التاريخ، من هوميروس إلى أدباء الحروب العالمية، وبعضهم دفع حياته ثمنًا لتلك التجربة القاسية)).

وقفت أمام هذا القلم النقدي العراقي، وأنا أتمتم في داخلي: بوركت أقلامكم أيها الكرام، على ما تحمله من قوة وشكيمة، وعلى هذا العقل العراقي الذي يعرف معنى الحرب كما يعرف معنى السلام.

لقد كان مروركم عميقًا وراقيًا، لم يكن عابرًا، بل أسهم في إعادة تشكيل رؤيتي تجاه فلسفة الحرب لدى فرجينيا وولف، في زمنٍ شرق أوسطي اختلط فيه الدم بالنفط، والحجارة بدخان المعارك. وقد أضاءت ملاحظاتكم جوانب كانت خفية، وفتحت آفاقًا أوسع للتأمل في المعاني الكامنة خلف صخب الحروب وضجيجها.

ومن هنا، ازداد شغفي للغوص في هذا العالم المليء بالتناقضات، حيث تتقاطع البطولة مع المأساة، وتتماهى القيم الإنسانية مع قسوة الواقع. فالحروب، رغم قسوتها، تظل مرآةً تعكس أعماق النفس البشرية، كاشفةً عن هشاشتها وقوتها في آنٍ واحد.

وفي زمنٍ تتكاثر فيه الحروب، كأنها قدرٌ لا يُرد، يبقى الأدب الصوت الذي لا يُقصف، والضمير الذي لا يُهزم. ومن بين ركام الألم، تظل كلمات فرجينيا وولف، ومعها أقلام النقاد، محاولةً عنيدةً لإنقاذ الإنسان من اعتياد المأساة.

إننا لا نكتب عن الحرب لنؤرّخها فحسب، بل لنقاومها—لا بالسلاح، بل بالوعي. فكل نصٍ صادق هو خطوة نحو تفكيك العنف، وكل قراءة عميقة هي انحياز للحياة ضد الفناء.

ختامًا، إذا كانت الحروب تصنع الخراب، فإن الكلمة تصنع المعنى… وبين الخراب والمعنى، تتحدد إنسانيتنا.

اللهم اكفِ البشرية شرّ الحروب، واجعل للكلمة جناحًا يعلو فوق دخانها، نحو سلامٍ يليق بالإنسان.


تابعنا على
تصميم وتطوير