
حين تتحول الأزمات إلى عقود سيادية
د. منتظر ناهي الزيدي
باحث في شؤون الطاقة والاقتصاد
ليس كل تهديدٍ يُقابل بالخوف بعض التهديدات تُدار بالعقل لتتحول إلى أعظم الفرص. وما يُطرح اليوم عن أزمة مضيق هرمز ليس مجرد خطر على صادرات النفط، بل نافذة استراتيجية نادرة أمام العراق لإعادة تعريف نفسه في النظام الاقتصادي العالمي.
أنا أرى أن العراق اليوم أمام اختبار قيادة، لا اختبار موارد. الموارد موجودة، لكن السؤال: هل نمتلك الجرأة لتحويل الأزمة إلى عقد اقتصادي وسيادي طويل الأمد؟
- من عقلية رد الفعل إلى هندسة الفعل:
التعامل التقليدي مع الأزمات يقوم على امتصاص الصدمة، أما الدول الصاعدة فتعيد توظيف الصدمة لصالحها. وأزمة هرمز، بكل وضوح، تمنح العراق مبرراً سيادياً وقانونياً للتحرك خارج القيود التقليدية، وفتح مسارات جديدة لا يمكن الطعن بها سياسياً تحت عنوان “الظرف القاهر”.
- الصفقة التي يجب أن تُبرم الآن
برأيي، اللحظة الحالية هي الأنسب لإبرام صفقة استراتيجية مع الصين، تقوم على مبدأ واضح هو نفط مستقر مقابل بناء دولة اقتصادية حديثة. ليس مجرد مشاريع بل:
- طريق التنمية كممر عالمي
- سكك حديد تربط الخليج بأوروبا
- مدن صناعية حقيقية
- منظومة لوجستية تجعل العراق مركز سلاسل الإمداد
هذه ليست أحلاماً، بل إعادة تموضع مدروسة ضمن الاقتصاد العالمي.
- كسر احتكار الجغرافيا:
أخطر ما في النموذج العراقي الحالي هو الاعتماد على منفذ واحد. وهذا خلل سيادي قبل أن يكون اقتصادياً. لذلك، أطرح رؤية واضحة:
- فتح مسار تصدير عبر إيران نحو آسيا
- تعزيز المسار الشمالي عبر تركيا نحو أوروبا
- تفعيل الممر البري كبديل استراتيجي عن المضائق
- عندما تتعدد المنافذ، يتحول العراق من تابع إلى لاعب.
- فهم البراغماتية الدولية
الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح. وفي أوقات الأزمات، الأولوية لديهم هي استقرار الطاقة.
وهذا يعني ببساطة إذا أحسن العراق إدارة ملفه النفطي بذكاء، فلن يُمنع بل سيتم التعايش مع خياراته.
- طريق التنمية: مشروع وحدة وطن
أنا لا أنظر إلى طريق التنمية كمشروع نقل، بل كمشروع سيادي يحفظ وحدة العراق. حين يصبح العراق:
- ممراً للتجارة العالمية
- عقدة طاقة رئيسية
- شريكاً اقتصادياً للدول الكبرى
فإن استقراره لن يكون مطلباً داخلياً فقط، بل مصلحة دولية.
وهنا تتحقق المعادلة الأهم إن المصالح تحمي الدول أكثر من الشعارات. العالم اليوم يُدار بثلاثية واضحةإن السياسة لخدمة الاقتصاد، الاقتصاد لأجل الطاقة، والطاقة تحكمها الجغرافيا.
والعراق يمتلك هذه الثلاثية بالكامل لكنه لم يوظفها بعد بالشكل الصحيح. أنا أؤمن أن المرحلة القادمة لا تحتاج إلى إدارة تقليدية، بل إلى عقل استراتيجي يفهم كيف تُدار الأزمات كفرص.
أزمة هرمز ليست تهديداً بل عقد اقتصادي جاهز بانتظار من يملك الجرأة على التوقيع.