
ما قبل هرمز ليس كما بعده
د. منتظر ناهي الزيدي
في الاقتصاد العالمي الحديث، لا تُقاس القوة بما تملكه الدول من موارد فحسب، بل بقدرتها على إعادة هندسة تدفق تلك الموارد عبر العالم. ومع تصاعد احتمالات الاختناق الجيوسياسي في مضيق هرمز، فإن النظام الطاقوي الدولي يقترب من لحظة انعطاف حادة: لحظة ينتقل فيها مركز الثقل من الجغرافيا الطبيعية إلى الجغرافيا المُهندَسة.
هذه ليست أزمة عابرة؛ إنها إعادة كتابة لقواعد اللعبة. وما قبل هرمز بوصفه شريانًا شبه أحادي لن يشبه ما بعده، حيث ستتفكك المركزية لصالح شبكات متعددة العقد، أكثر تعقيدًا، وأكثر سيطرةً من قبل الدول التي تُتقن هندسة القيمة لا مجرد إنتاجها.
أوبك أمام اختبار التحول من “منظمة إنتاج” إلى “منصة سيطرة منظومية”.
لقد بُني نفوذ منظمة أوبك تاريخيًا على إدارة المعروض النفطي. لكن العالم القادم يفرض تحولًا أعمق:
من التحكم في الكمية إلى التحكم في المسار، والتوقيت، والقيمة المضافة.
في بيئة ما بعد هرمز، لن يكون السؤال: كم ننتج؟
بل: من يملك مفاتيح المرور، ومن يصمم سلاسل القيمة، ومن يحدد نقطة التسعير النهائية؟
وهنا يبدأ فصل جديد: عنوانه العراق..
العراق: من جغرافيا عبور إلى عقل تصميم، يمتلك العراق موقعًا لا يُختزل في كونه حلقة وصل، بل يمكن أن يتحول إلى مُصمِّم الشبكة.
فبين الخليج وتركيا وأوروبا، وبين آسيا والبحر المتوسط، يقف العراق على مفترق طرق يمكن إذا أُحسن استثماره أن يتحول إلى مركز إعادة توزيع الطاقة عالميًا.
لكن هذه القفزة لا تتحقق بالأنابيب وحدها، بل عبر هندسة منظومية متكاملة تقوم على ثلاث طبقات:
1. طبقة التدفق (Flow Layer):
شبكة أنابيب متعددة الاتجاهات، ممرات برية، وموانئ مرتبطة بمنظومات ذكية تتيح تحويل المسارات لحظيًا حسب المخاطر والتكاليف.
2. طبقة التحويل (Transformation Layer):
مصافي متقدمة، مجمعات بتروكيميائية، ومشاريع إسالة الغاز الطبيعي، تحول العراق من مصدر خام إلى مركز تصنيع طاقوي.
3. طبقة القيمة (Value Layer):
منصات تسعير، أسواق طاقة رقمية، وعقود ذكية، تجعل العراق ليس فقط ممرًا للطاقة بل مُحددًا لقيمتها.
هندسة سلاسل الإمداد: من الكفاءة إلى السيطرة، في النموذج القديم، كانت الشركات والدول تسعى إلى تقليل الكلفة. أما في النموذج القادم، فإن الهدف هو تقليل الهشاشة وتعظيم السيطرة.
وهذا يتطلب إعادة تعريف سلاسل الإمداد كـشبكات ديناميكية لا مسارات ثابتة منظومات بيانات لا مجرد خطوط نقل أدوات سيادة لا عمليات تشغيلية العراق، إذا ما تبنى هذا التحول، لن يكون بديلًا لهرمز بل نقطة تفوق عليه عبر المرونة والتعدد.
الاقتصاد العالمي القادم: أقطاب تُصنع ولا تُورث التحولات الكبرى لا تُعيد توزيع القوة فقط، بل تُنشئ قوى جديدة.
وإذا استمرت الاختناقات الجيوسياسية، فإننا أمام سيناريو يتشكل فيه:
أ/قطب طاقوي أوراسي جديد
ب/ممرات برية تنافس الممرات البحرية
ج/أسواق طاقة إقليمية مستقلة عن التسعير التقليدي
في هذا المشهد، يمكن للعراق أن يتحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد محوري (Hub Economy) اقتصاد يقوم على التحكم بالتدفقات لا فقط إنتاج الموارد.
اللحظة القيادية: من إدارة قطاع إلى إعادة تشكيل دولة
هذا التحول لا يحتاج إلى إصلاحات تدريجية، بل إلى عقيدة اقتصادية جديدة تُدار بعقل استراتيجي يجمع بين:
أ/ هندسة المشاريع
ب/ اقتصاد الطاقة
ج/ الجغرافيا السياسية
د/ إدارة المخاطر العالمية
القيادة هنا ليست تنفيذية، بل تأسيسية قيادة تكتب موقع العراق في الخريطة الاقتصادية القادمة، لا تتكيف معها فقط، لهذا فإنها نافذة تاريخية لا تتكرر التاريخ الاقتصادي يُكتب في لحظات الاختناق الكبرى.
ومضيق هرمز بكل ما يمثله من مخاطرة ليس تهديدًا للعراق، بل نافذة نادرة لإعادة التموضع.
العراق لا يحتاج إلى انتظار التحول العالمي بل يمتلك القدرة على قيادته. ومن يفهم كيف تُهندَس سلاسل الإمداد، ويُعاد تعريف القيمة، ويُربط الاقتصاد بالجغرافيا، لن يكون مجرد مشارك في النظام العالمي القادم بل أحد الذين يصنعونه.