صحيفة
الإخبارية المستقلة
الإثنين 2026/5/11 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي


المشاهدات 1020
تاريخ الإضافة 2026/05/11 - 9:20 AM
آخر تحديث 2026/05/11 - 2:01 PM

المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي

د. مظهر محمد صالح

أدهشتني براءةُ الاختلاط، لا بوصفه خرقًا للتقاليد، بل بوصفه تحوّلًا هادئًا في بنية المجتمع ووعيه بذاته. كان المشهدُ يشي بانتصار الإنسان على مخاوفه القديمة، وبقدرة الحياة على إعادة صياغة فضاءاتها الاجتماعية دون أن تخدش حياءها العام أو تنقض منظومتها الأخلاقية.

في المقهى، ذلك المكان الذي ظلّ طويلًا حكرًا على الرجال، جلست النساء بثقةٍ ووقار، بأزيائهن المحتشمة وأناقة حضورهن، كأنهن يستعدن حقًّا مؤجلًا في الدفء الاجتماعي، وفي المشاركة الرمزية بحياة المدينة اليومية. حتى النرجيلة، التي كانت تُعدّ يومًا من طقوس الرجولة الشعبية، غدت امتدادًا عاديًا لمشهدٍ اجتماعي جديد، لا يحمل التحدي بقدر ما يحمل معنى الألفة وتحوّل العادات.

لقد تبدّل المجتمع العراقي، ولا سيما البغدادي، خلال العقود السبعة الأخيرة تبدّلًا عميقًا. كان الاختلاط قد بدأ بخطواتٍ مترددة في الأسواق وأماكن التبضع، يوم كانت العباءة السوداء تُخفي النساء أكثر مما تُظهر حضورهن، قبل أن تنسحب تلك العباءة تدريجيًا إلى فضاءات الزيارات الدينية والمراقد المقدسة، بينما أخذت المرأة تدخل المجال العام بوصفها شريكًا لا ظلًّا.

ولستُ هنا بصدد الحديث عن حضور النساء في الجامعات أو مؤسسات العمل أو الأندية الثقافية، فذلك صار من بديهيات الحياة الحديثة، لكنّ أكثر ما يلفتني هو ذلك التحوّل الرمزي العميق: صرخات النساء في ملاعب كرة القدم، وهي ليست مجرد هتافات رياضية، بل إعلانٌ اجتماعي عن تحرّرٍ لم يُسقط القيم، ولم يُلغِ أصالة العائلة العراقية، بل أعاد تعريف العلاقة بين الحرية والانتماء.

في طفولتي، قبل سبعين عامًا، كانت المدن المحيطة ببغداد تعيش تناقضًا اجتماعيًا غريبًا. نساء القرى يدخلن الأسواق بحرية كاملة، يبعن ويشترين ويتفاوضن بثقةٍ نابعة من دورهن الحيوي في الاقتصاد الزراعي ،من الحقول إلى تربية الماشية وتسويق الإنتاج. كنّ جزءًا أصيلًا من دورة الحياة والعمل.

أما نساء المدن، وخصوصًا نساء الطبقة الوسطى، فكنّ يعشن عزلةً اجتماعية قاسية، كأن المدينة وضعت حولهن أسوارًا غير مرئية من التحريم والخوف. ولم أفهم يومًا كيف سُمح للمرأة الريفية بما حُرمَت منه المرأة المدنية، سوى أن الاقتصاد، حين يكون فاعلًا ومنتجًا، يفرض منطقه الاجتماعي، ويمنح المرأة شرعية الحركة والحضور.

ولا تزال في ذاكرتي حادثة موجعة، تختصر قسوة تلك المرحلة.

عائلة بغدادية انتقلت للعمل في مدينتنا المحافظة، فخرجت ابنتهم الشابة ذات صباح إلى السوق سافرة الوجه، تتبضع بعفوية المدن وانفتاحها الطبيعي. لم تكن تدرك أنها دخلت منطقة محرّمة على نساء المدينة. فجأةً، استنفرت السلطة الاجتماعية المتشددة غضبها، وجُنّدت الجموع الصغيرة بعقلية القطيع، لترشق الفتاة بالحجارة حتى أُدميت.

كان ذلك المشهد إعلانًا لانتصار الخوف على البراءة، وانتصار الأيديولوجيا على الإنسان. وفي اليوم التالي، رحلت العائلة مكسورة، بينما بقيت المدينة غارقة في صمتها، كأن شيئًا لم يحدث.

قبل أيام، دخلتُ مقهى مختلطًا للمرة الأولى. تصاعد دخان النراجيل من بين أيدي النساء والرجال معًا، في مشهدٍ اعتيادي لا يثير ضجيجًا ولا فضيحة. عندها، عادت إليّ صورة تلك الفتاة التي أُدميت بالحجارة قبل سبعين عامًا.

تساءلتُ بحزن:

كم احتاج المجتمع من الزمن، ومن الصراع الصامت، ومن التحولات العميقة، كي يكتشف أن المرأة ليست تهديدًا للأخلاق، بل مرآة لتحضّر المجتمع نفسه؟

وربما، يا للمفارقة، كانت بعض الجالسات في ذلك المقهى من حفيدات أولئك الذين رشقوا الفتاة بالحجارة يومًا ما.

فالمجتمعات، كما أشار ميشيل فوكو، لا تُدار بالقوانين وحدها، بل بشبكاتٍ خفية من السلطة الاجتماعية تُحدّد ما يجوز وما لا يجوز، قبل أن يأتي الزمن نفسه ليعيد التفاوض على تلك الحدود.

وكأنّ المجتمع يعيد إنتاج ذاته بهدوء، على نحوٍ يشبه ما وصفه بيير بورديو، حيث تتغيّر العادات والرموز لا بالصدام دائمًا، بل حين يتحوّل المستغرَب إلى مألوف، والمحرَّم إلى جزءٍ عادي من الحياة اليومية.

هكذا تتبدّل البُنى الاجتماعية؛ لا بالعنف وحده، بل بتآكل الخوف، وتحوّل الوعي، وانتصار الحياة على الجمود. فالإنسان، في نهاية المطاف، لا يكفّ عن إعادة تعريف الحرية والكرامة ومعنى الحضور في الفضاء العام.

واخيرا ، لعلّ ما نراه اليوم لم يكن انتصارًا للمرأة على الرجل، بقدر ما هو انتصارٌ للمجتمع على خوفه القديم ،ذلك الخوف الذي جعل حجرًا صغيرًا يومًا ما ،أقوى من قلب فتاةٍ بريئة، ثم جعله الزمن نفسه مجرّد ذكرى تتلاشى وسط دخان النراجيل وضجيج الحياة.

وربما في هذا ما يذكّر بما ذهب إليه زيغمونت باومان حين رأى أن المجتمعات لا تهدم تقاليدها دفعةً واحدة، بل تذيبها ببطء داخل تحوّلات الحياة اليومية، حتى يغدو ما كان محرّمًا بالأمس جزءًا اعتياديًا من المشهد الإنساني.


تابعنا على
تصميم وتطوير