صحيفة
الإخبارية المستقلة
الثلاثاء 2026/5/19 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
من يمول «إعادة الإعمار»؟


المشاهدات 1068
تاريخ الإضافة 2026/05/18 - 8:25 AM
آخر تحديث 2026/05/18 - 8:51 PM

من يمول «إعادة الإعمار»؟

كرم جبر

نصف دول المنطقة التى نعيش فيها «الشرق الأوسط»، تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، فالخراب ليس محصورًا فى غزة وحدها، بل امتد ليشمل إيران ومناطق فى العراق واليمن وسوريا وليبيا والسودان ولبنان، وحجم الدمار لا يمكن حصره بالحسابات التقليدية، حتى لو وضعنا رقمًا وأمامه مائة صفر، فلن يكون كافيًا.

وتعرضت المرافق الحيوية التى تقدّم الخدمات الأساسية للناس، كمحطات المياه والكهرباء والطرق والجسور والشوارع والمنازل، لدمار واسع النطاق، وتحولت بعض المدن، التى كانت عامرة بالخضرة والعمران والحياة، إلى أطلال غير صالحة للحياة.

ومهما أفنت الشعوب من أعمارها أجيالها القادمة، ومهما تعاقبت عليها السنين بالكد والعرق، فلن تستطيع إعادة الحياة إلى ما كانت عليه، فالخراب أكبر من الزمن، والجرح أعمق من أن يندمل، وهذه هى الحقيقة التى لا مفر منها.

من الذى يموّل إعادة الإعمار فى هذا الزمن الصعب؟.. دول الخليج الغنية والسخية، التى كانت تاريخيًا هى الملاذ، أصبحت مثقلة بأعباء الصراع الإقليمى والمواجه مع إيران، والخسائر الفادحة التى تتكبدها، تكفى لبناء مدينة صغيرة كل يوم.

ولم يعد ممكنًا المراهنة على الدولار أو الريال السعودى أو الدرهم الإماراتى أو الدينار الكويتى أو الريال القطرى والعمانى ..الدول الخليجية السخية، لم تعد راغبة فى ضخ أموالها فى إعادة الإعمار فى دول أخرى، ولم تعد خزائنها مفتوحة بلا حساب، وأصبحت محكومة بأولويات اقتصادية وسياسية جديدة، تفرض عليها توجيه مواردها لمصالحها الخاصة أولًا.

وتلاشت الرغبة والقدرة لدى مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية، على المساهمة فى فاتورة دمار هائل، شاركت الشعوب نفسها بنفسها فى أحداثه، أو كان نتيجة الغزو والاحتلال، أو بسبب تداعيات ما ُسمى «الربيع العربي»، ذلك الوحش الذى لا يزال ينهش فى الجسد العربى المنهك، منذ ١٥عاماً دون توقف، مخلفا وراءه خرابًا يتجاوز كل إمكانات الدعم المتاحة.

وعلى الرغم من أن المثل الشعبى يقول «ما حك جلدك غير ظفرك»، إلا أن الواقع الراهن عكس ذلك، فالأظافر أصبحت حادة لدرجة تدمى الجسد، والجلد نفسه بات مهترئاً ومتآكلاً من كثرة الجراح، وأصبح مستحيلًا على أى دولة طالها الدمار، أن تعيد بناء نفسها، بالاعتماد على مواردها الذاتية المستنزفة.

والبديل هو الغرق فى الديون، والدولة سعيدة الحظ هى من تجد من يقرضها.. الديون تعنى رهن الحاضر والمستقبل للدائنين، والدخول فى دائرة مفرغة لا يمكن الخروج منها، وتظل الشعوب تدفع الفوائد حتى تُستنزف تمامًا، ويظل أصل الدين قائمًا وثابتًا.

ويتجسّد فى هذا الواقع القاسى صدق المثل القائل «يا بخت من أبكانى وبكى علىّ، لا من أضحكنى وأضحك الناس علىّ»، فالحقيقة الصادمة، خير من الأوهام التى زيّنها البعض لخداع الشعوب، حتى أوصلوها إلى هذا الخراب.

 

نقلاً عن "أخبار اليوم"


تابعنا على
تصميم وتطوير