صحيفة
الإخبارية المستقلة
الأربعاء 2026/6/3 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
الاقتصاد الأمريكي وفاتورة الحرب


المشاهدات 1008
تاريخ الإضافة 2026/06/03 - 10:19 AM
آخر تحديث 2026/06/03 - 6:37 PM

الاقتصاد الأمريكي وفاتورة الحرب

د. خالد قنديل

  عضو مجلس الشيوخ المصري

 

أثبت التاريخ، وبما لا يدع مجالًا لأي شك، أن للحروب عواقب وخيمة على جميع الأطراف سواء الذين يشاركون فيها أو البعيدون عنها، عواقب تتجاوز ساحة المعركة إلى مدى أبعد بكثير، حيث تعيد تشكيل الأسواق، وتُدمر السياقات السياسية المعتدلة، وتعطل المسارات الاقتصادية للدول. وهذا هو بالضبط ما تواجهه دول منطقة الشرق الأوسط جراء الحرب الأمريكية الإيرانية، تلك الحرب التي تزعمها رئيس بدرجة مقاول أنفار لا رجل دولة وسياسة، فقرر أن يهاجم دولة بالاتفاق مع كيان محتل بدوافع واهية لم يصدقها الساسة أو الداخل الأمريكي، وظل الموقف متأزمًا وصولًا إلى لحظة تتواتر فيها الأنباء عن اتفاق جديد نهائي، وربما مرحلة أخيرة من تفاوض حقيقي يُنهي هذه المهزلة التي أثرت تأثيرًا سلبيًا على الجميع من أقاصي الشرق إلى أقاصي الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.

والمفارقة الأكبر في هذا المشهد أن الدولة التي أرادت عبر بوقها الفاسد أن تظهر القوة لأقطاب تراهم يهددون عرشها، باتت على مرأى ومسمع من الجميع مكشوفة في وهنها وضعفها العميق في الداخل، وباعتراف دونالد ترامب نفسه، متحدثًا عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وقد مر خلال الفترة الأخيرة بتحديات وتوجهات أثارت جدلًا واسعًا، وأشار في معرض حديثه وتصريحاته التي لا يتوقف عنها على مدار الساعة، إلى ضرورة العودة إلى التركيز الأساسي على المهام الاقتصادية الجوهرية، وأن بعض السياسات داخل الفيدرالي تأثرت بعوامل خارجية وسياسات جانبية، الأمر الذي أدى إلى انحراف جزئي عن أهداف الدولة، وإن كان في حديثه هذا قد اعترف بتخبط الأسعار وارتفاع معدلات التضخم، وتعرض الاقتصاد الأمريكي لهزات عنيفة متوالية، فلم يشر من قريب أو بعيد إلى أنه بهذه الحرب التي قرر خوضها منفردًا بإيحاءٍ من الكيان المحتل وصديقه نتنياهو الذي يناديه بيبي، قد زاد من معاناة الاقتصاد الأمريكي الذي يواجه صعوبات ملموسة، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، ما أدى إلى إعادة إشعال التضخم وتقويض زيادات الرواتب التي حصل عليها الأمريكيون خلال العام الماضي، كما سجل مؤشر ثقة المستهلك أدنى مستوى له منذ سنوات، ويقترب بعض الأمريكيين من الوصول قريبًا إلى نقطة الانهيار، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على أسواق الطاقة. وربما يشير الناتج المحلي الإجمالي إلى نمو ما، لكنه رقم تأخيري يعتمد على بيانات الربع الأول من العام، الذي شمل شهرًا واحدًا كاملًا فقط من الحرب في إيران.

إن الاقتصاد الأمريكي يدخل الآن إحدى أخطر لحظات تاريخه الحديث، ليس بسبب انهيار مالي تقليدي نشأ في وول ستريت، بل بسبب انفجار جيوسياسي يتكشف على بعد آلاف الأميال في مياه الخليج العربي. حيث حوّلت الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط، إلى جانب الأزمة المتفاقمة المحيطة بمضيق هرمز، الأسواق العالمية إلى ساحة معركة من الخوف والمضاربة وعدم اليقين الاقتصادي. وما كان يبدو في السابق مواجهة إقليمية، تحوّل الآن إلى تهديد مباشر لأسس الاستقرار الاقتصادي الأمريكي نفسه.

وبالسبب المباشر الخاص بالتوتر حول مضيق هرمز، الذي لا يمثل مجرد ممر مائي ضيق يفصل إيران عن شبه الجزيرة العربية، بل شريان حيوي لتجارة الطاقة العالمية.

فقد حدثت الصدمة في أسواق الطاقة، وخطوط الشحن، وشركات التأمين، والبورصات العالمية، وزادت التهديدات التي تواجه الملاحة البحرية، فارتفعت تلقائيًا أسعار النفط بشكل حاد، لتبلغ مستويات لم تشهدها منذ سنوات، وكانت العواقب قاسية وفورية على واشنطن، إذ انعكس ارتفاع أسعار النفط سريعًا على ارتفاع أسعار البنزين في المدن الأمريكية. وارتفعت نفقات النقل بشكل حاد، مما أثر على شركات النقل بالشاحنات، وشركات الطيران، ومشغلي السكك الحديدية، وسلاسل التوريد التي كانت تعاني أصلًا من ضغوط التضخم وعدم الاستقرار الذي أعقب الجائحة. ووجد المستهلكون الأمريكيون، الذين كانوا يعانون بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة، أنفسهم فجأة يدفعون مبالغ أكبر بكثير مقابل الوقود والمواد الغذائية والسلع الأساسية، وبدأ التضخم، في الارتفاع تحت ضغط صدمات الطاقة، وواجه الاحتياطي الفيدرالي مخاوف متجددة من أن التضخم قد يخرج عن السيطرة إذا ظلت أسواق الطاقة غير مستقرة.

وقد وضع هذا صانعي السياسات في موقف لا يُحسدون عليه. فمن جهة، قد يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى تعميق الركود الاقتصادي وزيادة البطالة. ومن جهة أخرى، فإن السماح للتضخم بالتسارع يُهدد بتدمير ثقة المستهلك تمامًا، وفي قطاع الإسكان ظلت أسعار الفائدة على الرهن العقاري مرتفعة بشكل مؤلم، مما أدى إلى عزوف مشتري المنازل وتباطؤ النشاط الإنشائي، وواجهت الشركات الصغيرة والمتوسطة والمرتبطة منها بالتصنيع والنقل، نفقات تشغيلية متزايدة لم تستطع تحملها، فبدأت عمليات التسريح تنتشر تدريجيًا في شركات الخدمات اللوجستية وسلاسل البيع بالتجزئة والقطاعات الصناعية، وحتى شركات التكنولوجيا شهدت خسارة مليارات الدولارات من قيمتها السوقية، وواجهت شركات الطيران ارتفاعًا حادًا في تكاليف وقود الطائرات، بينما قلّص المستهلكون إنفاقهم على السفر. كما عانت شركات الشحن الدولية من فوضى متزايدة مع ارتفاع أقساط التأمين على السفن العاملة بالقرب من الخليج بشكل كبير.

وأصبحت طرق التجارة العالمية أبطأ وأكثر تكلفة وأقل قابلية للتنبؤ، وشهد المستوردون الأمريكيون الذين يعتمدون على التصنيع في الخارج تأخيرات وارتفاعًا في التكاليف، مما انعكس في نهاية المطاف على المستهلكين من خلال ارتفاع أسعار السلع اليومية.

يحدث كل ذلك مع اشتداد وتيرة الغضب الشعبي مع تشكيك العديد من الأمريكيين في المنطق الاستراتيجي وراء سياسات دونالد ترامب العدوانية تجاه إيران والصراع الأوسع في الشرق الأوسط. وخرجت مظاهرات في عدة مدن، حيث اتهم المنتقدون الإدارة بدفع البلاد نحو كارثة اقتصادية من خلال التصعيد المتهور والخطاب التصادمي، حتى بعض الأصوات الجمهورية أعربت عن قلقها إزاء الأضرار الاقتصادية طويلة الأمد لحرب إقليمية أوسع، وحذر قادة الأعمال والاقتصاديون ومسئولون سابقون من أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل مواجهة جيوسياسية لا نهاية لها في ظل ديون محلية ضخمة، وسلاسل إمداد هشة، واستقطاب سياسي حاد في الداخل.

وعلى المستوى الدولي تتزايد مخاوف الأسواق الدولية من أن يؤدي استمرار عدم الاستقرار في الشرق إلى تباطؤ اقتصادي عالمي، ولا تزال الاقتصادات الأوروبية، التي أضعفتها بالفعل ضغوط الطاقة وبطء النمو، عرضةً بشدة لصدمات إضافية في أسواق النفط والغاز، الأمر الذي يجعل هذه اللحظة بالغة الخطورة، ويجعل الأمل منعقدًا بشكل كبير على أن تأخذ جهود الوساطة والتفاوض مسارات أكبر تأثيرًا، وأن يستوعب دونالد ترامب أن رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني لا يشغله سوى أن يحقق انتصارًا وهميًا بتفجير الحروب وإشعال المنطقة، وأن ترامب بذلك قد خسر كثيرًا، كما خسرت الولايات المتحدة الأمريكية الكثير والكثير من ثقلها حول العالم.

نقلا عن " الاهرام "


تابعنا على
تصميم وتطوير