
القيمة المفقودة في الاقتصاد العراقي
د. منتظر ناهي الزيدي
خبير و باحث في شؤون الطاقة والاقتصاد
لازال العراق يبيع الثروة ويستورد التنمية، في علم الاقتصاد الحديث، لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تملكه من موارد طبيعية فقط، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى “قيمة مضافة” مستدامة.
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة العراقية الكبرى؛ فالعراق ليس بلدًا فقيرًا بالثروات، بل يمكن وصفه بأنه من أكثر الدول تعرضًا لـ"فقدان القيمة الاقتصادية" رغم امتلاكه موارد استثنائية في النفط والغاز والموقع الجغرافي والثروة البشرية.
نجح العراق خلال العقود الماضية في إنتاج النفط وتصديره، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء اقتصاد يولّد القيمة حول النفط. والفارق بين الأمرين هائل.
فالدول الريعية التقليدية تبيع المواد الخام، أما الدول الصاعدة اقتصاديًا فتخلق سلاسل إنتاج وصناعات وخدمات وتقنيات وفرص عمل حول تلك الموارد.
العراق اليوم يصدّر النفط الخام ويستورد معظم ما يتعلق بالحياة اليومية؛ من المنتجات الصناعية إلى المواد الغذائية، ومن التكنولوجيا إلى المعدات الثقيلة، بل وحتى بعض المشتقات النفطية احيانا. هذه ليست أزمة موارد، بل أزمة بنية اقتصادية وفلسفة تنموية.
إن القيمة المفقودة في الاقتصاد العراقي لا تتمثل فقط في الأموال المهدورة أو الفساد الإداري، بل في الفرص الضائعة التي لم تتحول إلى قطاعات إنتاجية. فكل برميل نفط يُصدَّر خامًا دون تصنيع أو تحويل صناعي يمثل قيمة مفقودة.
وكل شاب عراقي عاطل عن العمل رغم وجود الإنفاق الحكومي الهائل يمثل طاقة اقتصادية معطلة. وكل دولار يخرج للاستيراد كان يمكن أن يتحول إلى مشروع وطني منتج، يمثل نزيفًا طويل الأمد للاقتصاد الوطني. المفارقة أن العراق يمتلك كل مقومات بناء اقتصاد إقليمي قوي:
أ/ احتياطات نفطية وغازية ضخمة.
ب/موقعًا جغرافيًا يربط الخليج بتركيا وأوروبا.
ج/سوقًا استهلاكية كبيرة.
د/ القدرة على تفعيل قطاع الزراعه إلى أمن غذائى مستدام.
هـ/ كتلة بشرية شابة قادرة على الإنتاج.
لكن ما ينقص العراق فعليًا هو “اقتصاد تحويل الثروة إلى قيمة”.
في التجارب الاقتصادية الناجحة، لم تكن الثروات الطبيعية وحدها سبب النهضة.
فدول شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية واليابان لم تعتمد على الموارد، بل على التصنيع والتكنولوجيا والإنتاجية البشرية. وحتى الدول النفطية الخليجية بدأت تدرك مبكرًا أن تصدير النفط الخام وحده لا يصنع اقتصادًا مستدامًا، فاتجهت إلى الصناعات البتروكيمياوية والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والسياحة والصناديق السيادية العالمية.
أما العراق، فما زال الاقتصاد فيه يتحرك غالبًا ضمن دورة مالية قصيرة: نفط يُباع و إيرادات تدخل الموازنة و رواتب واستهلاك و استيراد ثم خروج العملة الصعبة. وهذه الحلقة لا تنتج اقتصادًا حقيقيًا، بل تُبقي الدولة في حالة اعتماد دائم على أسعار النفط وتقلبات السوق العالمية. إن أخطر ما يواجه العراق ليس انخفاض أسعار النفط فقط، بل استمرار غياب “القيمة المحلية المضافة”. فالدول التي لا تنتج المعرفة والصناعة والخدمات التنافسية، تبقى اقتصاداتها هشة مهما ارتفعت إيراداتها النفطية. استراتيجية التحول نحو اقتصاد القيمة المضافة
خارطة طريق عراقية لعشر سنوات
إن التحول الاقتصادي في العراق لا يمكن أن يتم عبر الشعارات أو القرارات المؤقتة، بل يحتاج إلى استراتيجية زمنية واضحة تعتمد على بناء القطاعات القادرة على خلق القيمة المضافة والتشغيل والإيرادات المستدامة.
أولًا: المرحلة القصيرة الأمد (1 – 3 سنوات)
مرحلة إيقاف النزيف الاقتصادي
في هذه المرحلة، ينبغي أن تركز الدولة على تقليل الاستيراد وتعظيم الاستفادة من الموارد الحالية عبر:
١- تطوير المصافي والصناعات التكريرية لتقليل استيراد الوقود.
٢-استثمار الغاز المصاحب بدل حرقه وتحويله إلى رافعه سيادية للاقتصاد الوطني العراقي.
٣- إنشاء مناطق صناعية سريعة قرب الموانئ والحدود.
٤- دعم الصناعات الغذائية والدوائية الخفيفة ذات التشغيل العالي.
وهنا يجب أن يكون الهدف الاقتصادي المركزي هو خلق دورة نقدية داخل العراق بدل تسربها للخارج.
ثانيًا: المرحلة المتوسطة الأمد (٢– ٥ سنوات)
مرحلة بناء القطاعات القائدة للنمو
في هذه المرحلة ينتقل العراق من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي عبر التركيز على خمسة قطاعات استراتيجية:
1- الصناعات البتروكيمياوية
وهي القطاع القادر على مضاعفة قيمة النفط والغاز عدة مرات بدل بيعها خامًا.
2- النقل والخدمات اللوجستية
فالعراق يمتلك موقعًا استراتيجيًا يمكن أن يحوله إلى عقدة تجارية بين الخليج وتركيا وأوروبا عبر مشروع طريق التنمية.
3-الزراعة الحديثة والصناعات الغذائية خصوصًا مع ارتفاع الطلب الإقليمي على الأمن الغذائي.
4- الطاقة المتجددة: ليس فقط لأسباب بيئية، بل لتقليل استنزاف النفط والغاز في توليد الكهرباء.
5- الاقتصاد الرقمي: عبر بناء بنية تحتية للاتصالات والخدمات المالية الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا. وفي هذه المرحلة يجب أن تتحول الجامعات العراقية من مؤسسات تعليم تقليدي إلى مراكز ربط اقتصادي وصناعي وبحثي.
ثالثًا: المرحلة الطويلة الأمد (٥– ١٠ سنة)
مرحلة الاقتصاد الإقليمي المؤثر
هنا يبدأ العراق بالخروج من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد النفوذ الاقتصادي الإقليمي عبر:
١- تأسيس صناديق سيادية واستثمارية عالمية.
٢- تصدير الصناعات بدل تصدير المواد الخام.
٣- التحول إلى مركز طاقة إقليمي يشمل النفط والغاز والهيدروجين والطاقة الشمسية.
٤- تطوير المدن الصناعية والتكنولوجية الكبرى.
٥- بناء قطاع خاص وطني قوي قادر على المنافسة الإقليمية.
وفي هذه المرحلة، ينبغي أن يكون النفط مصدر تمويل للتحول الاقتصادي، وليس المصدر الوحيد لبقاء الدولة. هذا الجدول الزمني يبدء بجدولة اهم القطاعات التي تمثل استنزافا للعملة الأجنبية من العراق لإعادة القيمة المضافة وإنتاجها داخل العراق أيضا .
مما تقدم أعلاه يمكن القول إن القيمة المفقودة في الاقتصاد العراقي ليست رقمًا ماليًا فقط، بل هي مشروع دولة لم يكتمل بعد. والعراق أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر، خصوصًا مع التحولات العالمية في الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. فإما أن يبقى اقتصادًا يبيع موارده الخام ويستهلك مستقبله تدريجيًا، أو يتحول إلى اقتصاد يصنع القيمة ويؤسس لقوة إقليمية مستقرة ومستدامة. إن السؤال الحقيقي لم يعد: كم ينتج العراق من النفط؟
بل أصبح: كم قيمة يخلقها العراق من كل برميل نفط ينتجه؟