صحيفة
الإخبارية المستقلة
الخميس 2026/6/18 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
إصدارات.. صدور كتاب "هندسة الإقتصاد الوطني العراقي نحو إقتصاد إنتاجي ومستدام" للدكتور منتظر ناهي الزيدي


المشاهدات 1172
تاريخ الإضافة 2026/06/18 - 9:43 AM
آخر تحديث 2026/06/18 - 8:22 PM

إصدارات.. صدور كتاب "هندسة الإقتصاد الوطني العراقي نحو إقتصاد إنتاجي ومستدام" للدكتور منتظر ناهي الزيدي

صدر حديثًا للدكتور منتظر ناهي  الزيدي كتاب فكري اقتصادي جديد بعنوان " هندسة الإقتصاد الوطني العراقي نحو إقتصاد إنتاجي ومستدام"، يقدم مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الاقتصاد العراقي على أسس تنموية وإنتاجية حديثة، مستندًا إلى قراءة نقدية عميقة للتجربة الاقتصادية العراقية خلال العقود الماضية، وإلى تحليل التحديات التي تواجه الدولة في إدارة الثروة النفطية والغازية والموازنة العامة والتنمية الاقتصادية. ينطلق الكتاب من فكرة أساسية مفادها أن المشكلة الحقيقية في العراق ليست نقص الموارد، بل كيفية إدارة هذه الموارد. فالعراق يمتلك أحد أكبر الاحتياطيات النفطية والغازية في العالم، ويحقق إيرادات ضخمة منذ عقود، إلا أن هذه الثروة لم تتحول بالشكل المطلوب إلى قاعدة إنتاجية وصناعية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وخلق فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات العامة.

ويطرح المؤلف رؤية استراتيجية تقوم على الانتقال من نموذج الاقتصاد الريعي القائم على تصدير النفط الخام وإنفاق العائدات في الرواتب والنفقات التشغيلية، إلى نموذج اقتصادي إنتاجي يعتمد على تعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية من خلال التصنيع والتكرير والبتروكيماويات والأسمدة والصناعات التحويلية والطاقة والغاز الطبيعي، بما يؤدي إلى بناء سلاسل قيمة وطنية متكاملة وربط العراق بسلاسل القيمة العالمية في الصناعة والطاقة. ومن أبرز الأفكار التي يقدمها الكتاب نموذج "النفط مقابل خطوط إنتاجية"، الذي يدعو إلى استثمار الثروة النفطية ليس فقط كمصدر للإيرادات النقدية، بل كأداة لبناء مصانع ومجمعات صناعية ومشاريع إنتاجية استراتيجية، بما يساهم في نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الصناعية الوطنية وتوفير فرص عمل مستدامة للأجيال القادمة.

كما يركز الكتاب على أهمية استثمار الغاز الطبيعي العراقي بوصفه أحد أهم الموارد الاستراتيجية غير المستغلة بالشكل الكافي، ويؤكد أن التحولات العالمية في قطاع الطاقة تفتح أمام العراق فرصة تاريخية للتحول إلى دولة مؤثرة في أسواق الغاز الإقليمية والعالمية، خصوصًا أن الغاز الطبيعي وسوائل الغاز والمكثفات لا تخضع لقيود حصص أوبك، الأمر الذي يمنح العراق مساحة أوسع لتعظيم صادراته وتعزيز مكانته الجيوسياسية ومصادر دخله السيادي. ولا يقتصر الكتاب على قطاع الطاقة، بل يمتد إلى إعادة التفكير في بنية الدولة نفسها، حيث يطرح المؤلف رؤية إصلاحية جريئة تقوم على تحويل دور الدولة من دولة مشغّلة ومقدّمة مباشرة للخدمات إلى دولة منظّمة وممولة ورقابية. ووفق هذا التصور، تتفرغ الدولة لوضع السياسات العامة والتشريعات والمعايير والرقابة وضمان العدالة الاجتماعية، بينما يتولى القطاع الخاص والمجتمع تقديم الخدمات والإنتاج ضمن بيئة تنافسية منظمة تخضع لرقابة الدولة.

وفي هذا السياق يقدم الكتاب ما يمكن اعتباره أحد أكثر طروحاته تميزًا، وهو نظرية القسائم الاقتصادية (Economic Voucher Theory)، التي تقوم على إعادة توجيه الإنفاق الحكومي من المؤسسات إلى المواطنين أنفسهم. فبدلاً من تخصيص الأموال مباشرة للمؤسسات الحكومية أو الخدمية، يحصل المواطن على قسائم أو مخصصات مالية موجهة للخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة والكهرباء والتدريب والخدمات البلدية وغيرها، ليكون هو صاحب القرار في اختيار الجهة التي تقدم له الخدمة. ويناقش الكتاب بأن هذه الآلية تنقل مركز القرار الاقتصادي من البيروقراطية الحكومية إلى المواطن، وتخلق منافسة حقيقية بين مقدمي الخدمات، وتدفع المؤسسات نحو تحسين الجودة وخفض الكلفة ورفع الكفاءة، كما تسهم في تقليل الهدر والفساد وتحويل التمويل الحكومي إلى تمويل قائم على النتائج والأداء الفعلي بدلاً من الاعتماد على التخصيصات التقليدية الثابتة.

ويطرح المؤلف مفهوم "المواطن الممول لا المواطن المتلقي"، حيث يصبح المواطن شريكًا مباشرًا في توجيه الموارد العامة، بينما تتحول الدولة إلى جهة تنظيمية وضامنة للعدالة والجودة والمنافسة ومنع الاحتكار وحماية الفئات الهشة، وهو ما يمثل تحولاً جذريًا في فلسفة إدارة الخدمات العامة والمال العام.

كما يناقش الكتاب بصورة موسعة واقع الموازنة العراقية والتحديات التي تواجهها، ويقدم نقدًا لما يسميه هيمنة العقلية المحاسبية على إدارة الدولة، مقابل الحاجة إلى العقلية الاقتصادية التنموية. فالمؤلف يرى أن نجاح الدول لا يقاس فقط بتحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات، بل بقدرتها على تحويل الإنفاق العام إلى استثمارات منتجة ترفع الناتج المحلي وتزيد فرص العمل وتعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق يدعو الكتاب إلى إعادة تعريف الموازنة العامة لتتحول من وثيقة إنفاق سنوية إلى برنامج تنموي واستثماري متعدد السنوات، يرتبط بمؤشرات أداء واضحة وأهداف اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس، ويعزز الشفافية والمساءلة وكفاءة استخدام الموارد العامة.

ويؤكد المؤلف أن النفط والغاز ليسا لعنة ولا منحة بحد ذاتهما، وإنما أدوات يمكن أن تقود إلى النهضة أو العكس تبعًا لطريقة إدارتها. ولذلك يدعو إلى استغلال الثروة النفطية والغازية في بناء قاعدة صناعية وطنية، وإنشاء صندوق سيادي للأجيال القادمة، وتعزيز التنويع الاقتصادي، وتحويل العراق من اقتصاد يعتمد على بيع المواد الخام إلى اقتصاد منتج يمتلك قدرة تنافسية إقليمية ودولية. ويمثل هذا الكتاب مساهمة فكرية وتنموية مهمة في النقاش الوطني حول مستقبل العراق الاقتصادي، إذ يجمع بين الاقتصاد والطاقة والإدارة العامة والسياسات العامة، ويقدم رؤية متكاملة لإصلاح الدولة والاقتصاد في آن واحد، واضعًا أمام صناع القرار والباحثين والنخب الأكاديمية مجموعة من الأفكار والسياسات التي تهدف إلى بناء عراق أكثر إنتاجية واستدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.


تابعنا على
تصميم وتطوير