
كلما تقترب الدولة من استحقاقات الرواتب يعود السؤال نفسه: من أين ستأتي الأموال؟
الخبير منتظر الزيدي : أزمة الرواتب في العراق ليست أزمة مال فقط بل أزمة إدارة للسيولة والمالية العامة
خبير الطاقة والاقتصاد الدكتور المهندس منتظر ناهي الزيدي
لا يلامس هذا السؤال على أهميته جوهر المشكلة بالكامل، والسؤال الأهم والمفصلي هو كيف يمكن لاقتصاد يمتلك موارد نفطية ضخمة تضمن استدامة الرواتب والخدمات من دون أن يبقى رهينة لتقلبات أسعار النفط؟
العراق لا يواجه مشكلة إيرادات فقط ولا مشكلة رواتب فقط ولا مشكلة سيولة مصرفية منفردة بل يواجه اختلالاً مركباً بين المالية العامة والاقتصاد الحقيقي والدورة النقدية والقطاع المصرفي والتجارة الخارجية.
فالبيانات المنشورة عن العراق تظهر استمرار الاعتماد الكبير على النفط. وحسب البيانات المنشورة عن العراق تظهر استمرار الاعتماد الكبير على النفط. ويقدّر البنك الدولي إيرادات النفط بنحو 40.6% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 2.1% فقط للإيرادات غير النفطية، فيما تبلغ الأجور والرواتب ونفقات التقاعد نحو 18.6% من الناتج المحلي الإجمالي. كما يُقدّر سعر النفط اللازم لمعادلة الإنفاق (سعر التعادل المالي) عند نحو 88 دولاراً للبرميل في 2025.
في تموز 2026 أكد صندوق النقد الدولي أن العراق يحتاج إلى ضبط فاتورة الأجور وزيادة الإيرادات غير النفطية وتحسين الإدارة المالية العامة محذراً من الضغوط التي يمكن أن تزداد على الدين والمالية العامة في غياب الإصلاح.
لهذا المشكلة ليست أن العراق لا يملك المال بل المشكلة أن النموذج المالي والاقتصادي الحالي يحتاج إلى إصلاح عميق حتى يصبح المال العام أكثر استدامة. الراتب يجب ألا يكون نهاية الدورة النقدية بل بدايتها لنأخذ مثالاً بسيطاً موظف عراقي يتقاضى مليون دينارعندما يسحب كامل راتبه نقداً تنتقل الأموال من الحساب المصرفي إلى التداول النقدي ثم ينتقل النقد من الموظف إلى المتجر ومن المتجر إلى تاجر الجملة ومنه إلى المورد وقد ينتهي جزء من الدورة عند المستورد الذي يحتاج إلى العملة الأجنبية.
مقترحنا أن الدفع الإلكتروني لا يمنع خروج الدولار ولا يلغي الحاجة إلى العملة الأجنبية عندما تكون السلعة مستوردة وإنما تكمن أهميته في أنه يمكن أن يجعل حركة الدينار أكثر شفافية وقابلية للرصد والقياس ويقلل الاعتماد على النقد ويساعد المصارف والسلطات المالية على تكوين صورة أفضل عن النشاط التجاري والاستهلاكي. ولهذا فإن المطلوب ليس مجرد دفع الراتب بل إدارة دورة الراتب. فالراتب ينبغي أن يتحول من مجرد التزام مالي على الدولة إلى جزء من دورة اقتصادية منظمة تربط الموظف والمصرف والتاجر والمورد والنظام الضريبي والسياسة النقدية.
أقترح أن تدرس الدولة بالتنسيق مع البنك المركزي العراقي والمصارف برنامجاً تجريبياً لإدارة دورة الراتب لا يقوم على مصادرة أموال الموظف أو تقييد حقه في التصرف بدخله وإنما على تقليل الاعتماد المفرط على النقد بصورة تدريجية. على سبيل المثال اختبار نموذج تجريبي يسمح بسحب 30% من الراتب نقداً بينما تكون 70% متاحة إلكترونياً عبر البطاقات أو المحافظ والحسابات المصرفية. ولكن لا أدعو إلى تطبيق هذه النسبة بصورة شاملة وفوريةبل مرحلة تجريبية لاجل قياس النتائج وتقييم تقييم الاثر وتعديل النسبة لكي يتم التوسع التدريجي. ويجب أن ترافق ذلك استثناءات واضحة للمناطق والفئات التي لا تتوافر فيها البنية المصرفية والاتصالات المناسبة إضافة إلى آليات تضمن وصول المواطن إلى أمواله عند تعطل الأنظمة الإلكترونية. هذه النقطة ضرورية لأن التحول الرقمي يجب أن يكون بديلاً أفضل للنقد وليس عقوبة على من لا يستطيع الوصول إلى النظام الرقمي. العراق بدأ بالفعل في التحول إلى المدفوعات الإلكترونية إن التحول ليس فكرة نظرية. فبيانات البنك المركزي العراقي المنشورة عن الربع الثالث من 2025 أظهرت نمواً واضحاً في استخدام المدفوعات الإلكترونية وهو ما يؤكد أن السوق العراقية بدأت تتحرك تدريجياً نحو تقليل الاعتماد على النقد. وهذا يتوافق مع الاتجاه العام للإصلاح المصرفي الذي يدفع باتجاه تحديث النظام المالي وتعزيز الشمول المالي. كما يؤكد صندوق النقد أهمية استمرار تحديث النظام المصرفي العراقي وتقوية القطاع المالي. لكن التحول الرقمي يجب ألا يتوقف عند إصدار البطاقات. المشكلة ليست في امتلاك البطاقة؛ المشكلة في القدرة على استخدامها في كل مكان. السؤال الذي يبادر ذهن المواطن ماذا لو رفض التاجر الـPOS؟ لا يمكن أن نقول للمواطن استخدم البطاقة ثم يجيبه التاجر الدفع نقداً فقط لذلك فإن إصلاح الرواتب والمدفوعات يجب أن يتزامن مع إصلاح سوق التجزئة. وأقترح هنا سياسة ذات مرحلتين:
يمنح التاجر الذي يستخدم الـ POS بصورة فعلية ومنتظمة بنسبة تفوق ال 70% تسهيلات ائتمانية وأولوية في بعض برامج التمويل وتخفيض كلفة أجهزة الدفع وحوافز ضريبية مرحلية وفق التشريع وتسهيلات في الإجراءات الحكومية وايضا بناء سجل مالي يساعده على الوصول إلى الائتمان.
بعد توفير البنية التحتية والمهلة الانتقالية يصبح توفير وسيلة دفع إلكترونية إلزامياً للأنشطة التجارية التي تتجاوز حداً معيناً من حجم المبيعات أو طبيعة النشاط مع فرض عقوبات تدريجية على المخالفين. وهنا يجب أن تكون فلسفة الدولة واضحة أن تجعل الالتزام بالنظام الرسمي أكثر فائدة للتاجر من البقاء خارجه. وهذا أفضل من البدء بالعقوبة. لانجعل المواطن يدفع ثمن التحول الرقمي من الأخطاء التي يمكن أن تفشل المشروع تحميل المواطن عمولة الدفع الإلكتروني. فالهدف هو جعل الدفع الإلكتروني أسهل وأقل كلفة وأكثر أماناً من النقد. وعليه ينبغي أن تكون الرسوم واضحة وشفافة وأن تمنع الممارسات التي تجعل التاجر يضيف كلفة الدفع الإلكتروني إلى سعر السلعة بصورة غير معلنة فالتحول الرقمي لن ينجح بالقوة بل سينجح عندما يشعر المواطن أن البطاقة أسرع والنقد أكثر خطراً وإن والدفع الإلكتروني أسهل وأمواله متاحة له عند الحاجة. الـPOS ليس ماكينة لصناعة الدولار هذه نقطة يجب أن تكون واضحة في الخطاب الاقتصادي. بل سيمنح الدولة دورة نقدية اكثر مرونة بتوفير الرواتب وتعالج ازمة الطلب على السيولة.
فإذا اشترى المواطن سلعة مستوردة بقيمة 100 ألف دينار، فإن الدفع الإلكتروني لا يغير حقيقة أن السلعة قد تم إنتاجها خارج العراق. لكن الـPOS يمكن أن يحقق فوائد أخرى مثل توثيق المعاملة و تقليل التداول النقدي وتحسين البيانات الاقتصادية ورفع قابلية رصد النشاط التجاري ومساعدة الإدارة الضريبية على توسيع قاعدة المعلومات. وهذا يتطلب أن ترتبط المدفوعات الإلكترونية بمنظومة ضريبية ورقابية حديثة فالرقمنة وحدها لا تنتج إيرادات ضريبية تلقائياً. الاصلاح يبدئ برقمنة الدفع و الفوترة و رقمنة الضرائب وايضا رقمنة الجمارك. المعركة الحقيقية على الدولار تبدأ من الاستيراد وإذا أردنا معالجة الاختلال الخارجي فلا يكفي أن ننظر إلى أجهزة الصراف الآلي والبطاقات. علينا أن ننظر إلى الطلب على العملة الأجنبية الذي يولده الاقتصاد الحقيقي. العراق يستورد الغذاء والدواء والآلات والمواد الأولية لكنه يستورد أيضاً كميات كبيرة من السلع الاستهلاكية والكمالية. ولهذا لا ينبغي أن تكون السياسة الجمركية مجرد وسيلة لتحصيل الإيرادات. بل ينبغي أن تكون جزءاً من استراتيجية لإدارة الاستيراد والطلب على العملة الأجنبية.
وهنا لا أدعو إلى إغلاق السوق العراقية أمام العالم. بل إلى التمييز بين ما يحتاجه الاقتصاد وما يستهلك العملة الأجنبية دون أن يضيف قيمة إنتاجية مماثلة. نحتاج إلى تعرفة جمركية ذكية لا تعرفة عمياء ليس من المنطقي اقتصادياً أن تعامل آلة تدخل مصنعاً عراقياً بالمعاملة نفسها التي تعامل بها سلعة فائقة الرفاهية.
أقترح هيكل تعرفة متدرجاً:
أولاً: السلع الأساسية مثل الغذاء الأساسي والأدوية والمستلزمات الطبية تكون رسوم منخفضة وتفضيلية.
ثانياً: الآلات ومدخلات الإنتاج مثل المعدات الصناعية والزراعية والمواد الأولية تحتاج الى معاملة جمركية تفضيلية.
ثالثاً: السلع الاستهلاكية الاعتيادية تحتاج الى رسوم معتدلة.
رابعاً: السلع الكمالية هذه المفصلية وبحاجة الى دراسة لفرض رسوم أعلى.
خامساً: السلع فائقة الرفاهية يمكن لبعض البنود أن تخضع لمعدلات جمركية استثنائية مرتفعة جداً وقد تصل في حالات مدروسة إلى 200% أو 300% لكن ليس بصورة عشوائية بل بعد دراسة:
وهذه ليست فكرة بعيدة عن اتجاه الإصلاح المالي الذي يدعو إليه صندوق النقد فقد أشار في تقييمه للعراق إلى وجود مجال لزيادة الإيرادات غير النفطية من خلال مراجعة الرسوم الجمركية وزيادة الضرائب الانتقائية. إذن لا نريد أعلى تعرفة جمركية نريد أفضل تعرفة جمركية من يريد الرفاهية فليدفع كلفتها الاقتصادية لا ينبغي للدولة أن تمنع المواطن من شراء سيارة فاخرة أو سلعة كمالية لكن يجب أن تسأل.
هل من العدل اقتصادياً أن تحصل سيارة فائقة الرفاهية على المعاملة نفسها التي تحصل عليها آلة إنتاجية يحتاج إليها مصنع عراقي؟ الجواب: لا. ولهذا يمكن أن تكون الرسوم الجمركية أداة لتوجيه الطلب لا مجرد أداة لجباية المال.فالسياسة الاقتصادية لا تمنع الرفاهية بل إنها تسعّر الرفاهية لكن الرواتب نفسها تحتاج إلى إصلاح هيكلي لانه لا يمكن أن نبحث عن إيرادات جديدة بينما نتجاهل مسار الإنفاق حيث يُقدّر البنك الدولي أن الأجور والرواتب تمثل نحو 18.6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025. ومع ناتج محلي مقدر بنحو 335 تريليون دينار، تعادل هذه النسبة حسابياً نحو 62.3 تريليون دينار.»
للتوضيح هذا حساب تقريبي لنسبة الأجور إلى الناتج المحلي وليس بديلاً عن رقم الإنفاق الفعلي في الموازنة على الرواتب. لكن الرقم يوضح حجم المشكلة. وصندوق النقد الدولي يؤكد أن فاتورة الأجور العامة كبيرة بصورة غير مستدامة وأن احتواءها يمثل جزءاً أساسياً من المعالجة المالية للعراق. كما يشير إلى أن إصلاحات المالية العامة يمكن أن تخلق حيزاً مالياً أكبر للإنفاق الاستثماري الضروري.
ولهذا يجب أن تسير الإصلاحات في اتجاهين: زيادة الإيرادات غير النفطية وفي الوقت نفسه ضبط نمو الإنفاق الجاري.لا تسريح الموظفين بل إصلاح هيكل الدولة. الإصلاح لا يعني بالضرورة خفض الرواتب الحالية. بل يبدأ من وقف التوسع غير المدروس في التوظيف الحكومي و مراجعة التعيينات الإلزامية وربط التوظيف بالحاجة الفعلية و تحسين إنتاجية الموظف وإعادة توزيع القوى العاملة داخل مؤسسات الدولة و تقليل الازدواج الوظيفي. إن التحول التدريجي إلى حكومة أكثر رقمنة وأقل اعتماداً على الأعمال الورقية وتوجيه جزء أكبر من الإنفاق نحو الاستثمار والبنية التحتية. وهذا يتقاطع مع توصيات صندوق النقد المتعلقة باحتواء فاتورة الأجور وتعزيز نمو القطاع الخاص.
إيراد موجود قبل أن نبحث عن إيراد جديد،لا نحتاج إلى فرض ضريبة جديدة على المواطن حتى نبدأ بهذا الإصلاح.
نحتاج أولاً إلى معرفة كم عقاراً تملك الدولة؟ وكم عقاراً مؤجراً؟ وبأي قيمة؟ ومنذ متى؟
وما القيمة السوقية الحالية؟ أقترح إنشاء السجل الوطني الإلكتروني لأملاك الدولة ويضم العقار و الموقع والمساحة و طبيعة الاستخدام المستأجر قيمة الإيجار القيمة السوقية التقديرية مدة العقد تاريخ انتهائه وآلية الإحالة. وعند انتهاء العقد يعاد تقييم بدل الإيجار وفق معايير سوقية وشفافة. الهدف ليس طرد المستثمر أو المستأجر بل منع تجميد ثروة الدولة بعقود طويلة الأمد وأسعار لا تعكس قيمتها الاقتصادية.
والأهم أن هذا الملف يجب أن يخضع للشفافية والرقابة لمنع تحوله إلى باب جديد للفساد.
الهدف اصلاح وليس صدمة. .إصلاح دعم الوقود يمكن أن يكون جزءاً من الإصلاح المالي لكن رفع الأسعار بصورة مفاجئة سيكون خطأً اقتصادياً واجتماعياً. فالوقود يدخل في والزراعة والغذاء والصناعة والخدمات وأي صدمة في سعره يمكن أن تنتقل إلى معظم الاقتصاد ولهذا ينبغي الانتقال تدريجياً من دعم شامل للوقود إلى دعم موجه للفئات والأنشطة التي تستحق الحماية. ضمن نظام واضح وقابل للرقابة الإبقاء على أسعار تفضيلية لوسائل النقل العام وسيارات الأجرة الرسمية المرخصة وبعض الأنشطة الإنتاجية المؤهلة مع توجيه الدعم مباشرة إلى المستحقين بدلاً من دعم كل لتر وقود للجميع. وقد سبق لصندوق النقد أن أشار إلى أهمية إصلاح الدعم غير الكفوء ضمن حزمة الإصلاح المالي للعراق. لكن لا ترفعوا الدعم قبل بناء شبكة حماية هذه قاعدة أساسية في إدارة الأزمات لا يتم رفع الدعم قبل أن تبني البديل. قبل أي إصلاح كبير في أسعار الوقود يجب أن تكون هناك قاعدة بيانات اجتماعية دقيقة وتحويلات نقدية للفئات المستحقة ودعم واضح للنقل العام وحماية للقطاعات الإنتاجية الحساسة. رقابة على الأسواق لمنع الاستغلال وتطبيق تدريجي ومعلن مسبقاً. فالهدف ليس نقل العبء من الموازنة إلى المواطن بل لتقليل الهدر مع حماية القوة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة.
المشكلة ليست في الإيرادات وحدها بل في الاقتصاد غير الرسمي هناك جانب آخر شديد الأهمية. أشار صندوق النقد في أعماله الحديثة المتعلقة بإصلاحات المالية العامة إلى أن ضعف تحصيل الإيرادات غير النفطية يرتبط بضيق القاعدة الضريبية والعوائق الإدارية واتساع القطاع غير الرسمي. ولهذا فإن رقمنة المدفوعات ليست مشروعاً مصرفياً فقط بل إنها أيضاً مشروع لمكافحة الاقتصاد غير الرسمي والتهرب الضريبي. عندما تصبح المعاملة التجارية موثقة إلكترونياً والفاتورة إلكترونية والدفع إلكترونياً والضريبة مرتبطة بالنشاط الفعلي يصبح من الصعب إخفاء الحجم الحقيقي للنشاط الاقتصادي. وهنا تبدأ الدولة في الانتقال من تقدير النشاط الاقتصادي إلى قياس النشاط الاقتصادي. هذه الحزمة الاقتصادية لا توفر رقماً ضخماً من الأموال من دون نموذج حسابي. الأكثر مهنية هو إنشاء نظام قياس.
أقترح أن تضع الحكومة مؤشرات سنوية، منها:
هكذا يتحول الإصلاح من شعارات إلى لوحة قيادة اقتصادية وطنية. والأهم لا تتم محاربة المواطن ولا التاجر لانه أي إصلاح اقتصادي يفشل إذا جعل المواطن يشعر أن الدولة تعاقبه فالتاجر ليس عدواً
والموظف ليس عبئاً والمستهلك ليس سبب الأزمة بل المشكلة في قواعد النظام الاقتصادي نفسه.
لذلك يجب أن تكون رسالة نحن لا نريد أخذ أموالكم بل نريد أن نجعل أموالكم تعمل داخل اقتصادكم ولا نريد منع التاجر من الربح بل نريد أن نجعل الربح الرسمي أكثر جاذبية من الاقتصاد الموازي ولا نريد حرمان المواطن من الرفاهية بل نريد أن يكون استهلاك الرفاهية خاضعاً لتكلفته الاقتصادية الحقيقية.
وتحت هدف استراتيجية وطنية لإدارة الدينار, إذا أردنا اختصار الإصلاح في منظومة واحدة فإنني أقترح المعادلة التالية هي رقمنة الرواتب وتوسيع المدفوعات الإلكترونية وإلزام تدريجي للأنشطة التجارية الكبيرة بوسائل الدفع الإلكتروني وحوافز للتاجر الملتزم ورقمنة الفوترة والضرائب والجمارك وتعرفة جمركية تصاعدية وذكية وحماية مدخلات الإنتاج وتعظيم إيرادات أملاك الدولة وإصلاح تدريجي وموجه لدعم الوقود وضبط نمو فاتورة الأجور. إن تنشيط القطاع الخاص والإنتاج المحلي يعزز المالية العامة أكثر ويجعلها ذات استدامة واقتصاد أقل تعرضاً لصدمات النفط.ا لعراق لا يحتاج إلى تأجيل الأزمة بل إلى إعادة تصميم النظام إذا انخفضت أسعار النفط نبحث عن قرض وإذا ارتفعت النفقات نبحث عن إيراد.
إذا ظهرت فجوة في الرواتب نبحث عن سيولة ثم تعود الدورة من جديد هذا ليس علاجاً بل تأجيل للمشكلة. العراق يحتاج إلى الانتقال من إدارة الأزمة عند وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل وقوع الأزمة لبناء احتياطي مالي عندما تكون أسعار النفط مرتفعة وضبط الإنفاق الجاري وزيادة الإيرادات غير النفطية وتنشيط القطاع الخاص وتحسين الإدارة الضريبية والجمركية وتحديث المصارف وتعميق السوق المالية.