صحيفة
الإخبارية المستقلة
الجمعة 2026/8/28 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
حذف ثلاثة أصفار من الدينار.. إصلاح نقدي مؤجل أم أولوية اقتصادية؟


المشاهدات 1094
تاريخ الإضافة 2026/08/27 - 8:57 AM
آخر تحديث 2026/08/27 - 10:51 PM

حذف ثلاثة أصفار من الدينار.. إصلاح نقدي مؤجل أم أولوية اقتصادية؟

 

الدكتور منتظر ناهي الزيدي

عاد الحديث عن مشروع حذف ثلاثة أصفار من الدينار العراقي إلى واجهة النقاش الاقتصادي وهو نقاش يستحق أن يُدار بعيداً عن الانطباعات لأن تغيير وحدة النقد ليس علاجاً سحرياً للتضخم ولا يؤدي بذاته إلى زيادة القوة الشرائية للمواطن. فحذف ثلاثة أصفار يعني من الناحية الحسابية أن كل 1000 دينار قديم تصبح ديناراً جديداً مع إعادة التعبير عن الرواتب والأسعار والودائع والديون والعقود بالنسبة نفسها. ومن هنا فإن السؤال الاقتصادي الصحيح ليس هل يستطيع العراق حذف ثلاثة أصفار؟ بل هل يحتاج الاقتصاد العراقي إلى هذه الخطوة الآن وهل تتوافر البيئة الاقتصادية والمالية والنقدية التي تجعلها ناجحة؟

من وجهة نظرنا لا توجد في المرحلة الحالية ضرورة اقتصادية ملحّة لحذف ثلاثة أصفار لأن التضخم العراقي وفق تقديرات صندوق النقد الدولي المنشورة يقع عند مستويات منخفضة نسبياً مقارنة بالدول التي اضطرت إلى إعادة تسمية عملاتها بعد موجات تضخم مرتفعة أو مفرطة. وهذا يعني أن العراق لا يواجه اليوم مشكلة أرقام كبيرة في الأسعار بالدرجة التي تجعل حذف الأصفار ضرورة نقدية عاجلة. بالعودة لتجارب البلدان حذفت تركيا ستة أصفار من الليرة عام 2005  لكن هذه الخطوة جاءت بعد سنوات من الإصلاح والاستقرار النقدي والمالي وانخفاض التضخم بصورة كبيرة. فإزالة الأصفار لم تصنع الاستقرار  بل جاءت في سياق اقتصاد أصبح أكثر قدرة على استيعاب العملة الجديدة.أيضا البرازيل حيث جاء الريال البرازيلي عام 1994 ضمن خطة استقرار اقتصادي متكاملة (Plano Real)  سبقتها إجراءات لمعالجة التضخم والاختلالات النقدية والمالية  واستخدام وحدة حساب انتقالية ساعدت على إعادة تثبيت توقعات الأسعار. وهنا أيضاً كان تغيير العملة جزءاً من منظومة إصلاح  وليس بديلاً عن الإصلاح. وفي المقابل  تقدم فنزويلا وزيمبابوي درساً مختلفاً. فقد أعادت فنزويلا تسمية عملتها بإزالة خمسة أصفار عام 2018  ثم واصلت لاحقاً إزالة أصفار إضافية لكن التضخم المرتفع والاختلالات المالية والنقدية لم تختفِ بمجرد تغيير الوحدة النقدية. أما زيمبابوي  فقد شهدت عمليات متعددة لإعادة تسمية العملة خلال فترة التضخم المفرط  قبل أن تصل إلى التخلي عن العملة المحلية والدولرة على نطاق واسع عام 2009. والدرس المشترك من هذه التجارب حذف الأصفار لا يخفض التضخم بحد ذاته؛ وإنما ينجح عندما يكون جزءاً من اقتصاد مستقر وقادر على حماية قيمة العملة. وهنا تكمن خصوصية العراق فالمشكلة الأساسية ليست ارتفاع التضخم إلى مستويات تستدعي إعادة تسمية العملة وإنما هشاشة النظام المالي والمصرفي والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية. فالإنفاق العام  ولا سيما الإنفاق الجاري  يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدولة على تحقيق الإيرادات النفطية  في حين لا تزال الإيرادات غير النفطية محدودة مقارنة بحجم الاقتصاد والإنفاق العام. الأولوية الاقتصادية للعراق يجب أن تكون إصلاح هيكل المالية العامة قبل الدخول في مشروع واسع لاستبدال العملة لضبط نمو الإنفاق الجاري و إصلاح منظومة الرواتب والتقاعد  توسيع القاعدة الضريبية  وتطوير الجمارك  مكافحة التهرب  وزيادة الإيرادات غير النفطية  وإعادة هيكلة المؤسسات المصرفية الحكومية. كما أن الإصلاح النقدي لا يمكن فصله عن إصلاح القطاع المصرفي. فنجاح أي عملية لإعادة تسمية العملة يتطلب نظاماً مصرفياً قوياً وأنظمة دفع إلكترونية فعالة وقواعد محاسبية وضريبية محدثة وقدرة عالية على مراقبة حركة النقد فضلاً عن السيطرة على الاقتصاد الموازي وتقليص الفجوات التي يمكن أن تستغلها المضاربات.

مع الاخذ بالكلفة الاقتصادية والإدارية للعملية. فاستبدال العملة يعني إصدار فئات جديدة وسحب كميات ضخمة من العملة القديمة وتحديث الأنظمة المصرفية والمحاسبية والضريبية وتعديل العقود والبرامج الحكومية وأجهزة الدفع والصرافات الآلية  فضلاً عن حملات التوعية وحماية المواطنين من التزوير والاحتيال. المرحلة الحالية تحمل مخاطر إضافية أبرزها التقريب السعري؛ إذ قد يستغل بعض التجار الانتقال من الأسعار القديمة إلى الجديدة لرفع الأسعار بصورة غير محسوسة خصوصاً إذا لم تكن هناك آلية واضحة لعرض الأسعار بالعملتين خلال فترة انتقالية ورقابة فعالة على الأسواق. مالياً العراق لا يستطيع النظر إلى مشروع حذف الأصفار بمعزل عن وضع الموازنة العامة. فإذا كانت المالية العامة تعاني من عجز مرتفع أو من ضغط متزايد على النفقات الجارية فإن الأولوية يجب أن تكون لضمان الاستدامة المالية العامة وبناء هوامش أمان مالية لا تحميل الدولة مشروعاً نقدياً واسعاً قبل استكمال شروط نجاحه. لهذا إن حذف ثلاثة أصفار يمكن أن يكون مشروعاً مؤجلاً يبدأ التحضير له من الآن عبر بناء البيئة الاقتصادية والمؤسسية اللازمة. وعندما يصل العراق إلى مرحلة تتسم بمالية عامة أكثر انضباطاً واقتصاد أقل اعتماداً على النفط وقطاع مصرفي أكثر كفاءة ومدفوعات إلكترونية واسعة وثقة أعلى بالدينار عندها يمكن دراسة إعادة تسمية العملة على أساس علمي مع تحليل دقيق للتكاليف والمنافع والمخاطر واختيار التوقيت المناسب. فالاقتصاد القوي لا يبدأ بحذف الأصفار وإنما يبدأ بحذف أسباب ضعف الاقتصاد مثل الاعتماد المفرط على النفط  تضخم الإنفاق الجاري  ضعف الإنتاج المحلي محدودية الإيرادات غير النفطية  والاختلالات المؤسسية. فقط يمكن أن يصبح حذف الأصفار خطوة تقنية ناجحة ضمن مشروع إصلاح اقتصادي أكبر  لا محاولة لتغيير شكل الأرقام بينما تبقى أساسيات الاقتصاد على حالها. العراق لا يحتاج اليوم إلى حذف ثلاثة أصفار من الدينار بقدر ما يحتاج إلى بناء اقتصاد يجعل الدينار أقوى وأكثر استقراراً.


تابعنا على
تصميم وتطوير