صحيفة
الإخبارية المستقلة
الثلاثاء 2026/10/6 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
الجريمة «ترند» والبلطجى نجمًا!


المشاهدات 1013
تاريخ الإضافة 2026/10/05 - 9:00 AM
آخر تحديث 2026/10/05 - 8:38 PM

الجريمة «ترند» والبلطجى نجمًا!

كرم جبر

 

الفارق الجوهرى الذى نعيشه اليوم، هو أن منصات «السوشيال ميديا» حولت الجريمة من سلوك منبوذ يُرتكب فى الخفاء، إلى مسرح مفتوح على الهواء مباشرة، والعنف والبلطجة إلى «ترند» يحقق الشهرة، ويثير الإعجاب، ويدر الأموال، وبدأت تتشكل أجيال جديدة ترى فى العنف وسيلة سهلة للظهور.

يضعنا هذا الواقع أمام تناقض صارخ، فكيف نستهجن استعراض القوة والبلطجة فى الشوارع، بينما تحتفى بعض المسلسلات الدرامية بصور العنف، وتغلف الإجرام بغطاء زائف من «الشهامة والبطولة»؟ ،وتتسلل هذه المشاهد إلى بيوتنا، وتعبث بعقول شبابنا، فى وقت لم يكن فيه المصريون يومًا، غرباء عن الشهامة والقيم الأصيلة.

وفى سياق بناء القدوة، يبرز تناقض آخر، فكيف نضيق الخناق على طلاب المدارس ونحاسبهم على «البناطيل الممزقة» أو «قصات الشعر الغريبة»، بينما نغض الطرف عن السلوكيات الشاذة والخليعة للفنانين ونجوم الرياضة، وهم محط أنظار الملايين وموضع تقليدهم؟، والواجب أن يتحلوا بالمسئولية الإنسانية، ويكفوا عن تقديم هذه النماذج المشوهة كقدوة للشباب.

 

ومع ذلك، فالصورة ليست قاتمة تمامًا، ففى الجانب الآخر المضىء، نرى نماذج مشرفة من شباب مصر الذين أثبتوا قدرة فائقة على تملك أدوات المستقبل، وشغل وظائف التكنولوجيا الحديثة، والتعامل بكفاءة مع تحديات السوق، ويقدمون نماذج مشرقة تستحق أن تتصدر المشهد الإعلامى والرقمى.

معركة استعادة القيم ليست فقط مواجهة بين جريمة فردية وعقوبة قانونية، لكنها صراع إرادات بين صورتين ونموذجين: نموذج «بلطجى التيك توك»، ونموذج «شباب مصر الرقمية» الذين يجسدون وعى الوطن ومستقبله الواعد، والرهان الحقيقى هو أن نمنح النماذج المضيئة الصدارة والدعم، وأن نطفئ الضوء عن مشاهد العنف لتسقط فى طى النسيان.

ولا يمكن فصل هذه الظواهر عن سياقها الاجتماعى؛ فرغم النجاح الهائل لرجال الشرطة والأجهزة الأمنية فى تتبع الجرائم وضبط مرتكبيها، فإن الأمن وحده لا يكفى فى ظل الضغوط الاقتصادية، والبطالة، وتراجع أدوار مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية، كالمدرسة والأسرة والنادى، وتسلح المنحرفين بثقافة «القانون الخاص»، حيث أصبح السلاح الأبيض أو استخدام الكلاب الشرسة وسيلة لفرض السيطرة.

المسئولية هنا جماعية وتكاملية، نحن بحاجة إلى فن يرسخ القيم الرفيعة، لا إلى أعمال تهدم الذوق العام، وتبرر الابتذال تحت ستار «حرية الإبداع»، وبحاجة إلى مدرسة ترفع الانضباط والقدوة إلى الصدارة، وناد يعيد الشباب إلى ساحات الرياضة والمنافسة الشريفة، ومؤسسة دينية تبعث الضمير الأخلاقى، وإعلام يسهم فى توجيه الرأى العام، بدلًا من الجرى وراء تضخيم النماذج السلبية.

وفى خضم هذه التحولات، يبرز الدور الحيوى الذى يجب أن تلعبه المراكز البحثية والاجتماعية، ك«كشاف ضمير» للمجتمع، لتشخيص ألغاز الظواهر المستحدثة، ومواجهة السيل الجارف من التحولات السلوكية السلبية.. نحتاج إلى منهج علمى رصين يرصد، ويحلل، ويقترح الحلول لحماية عقل الأمة ومستقبل شبابها.


تابعنا على
تصميم وتطوير