صحيفة
الإخبارية المستقلة
الثلاثاء 2026/10/13 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
العراق ويوم السيادة.. نظرة نحو المستقبل


المشاهدات 1024
تاريخ الإضافة 2026/10/12 - 8:32 AM
آخر تحديث 2026/10/12 - 10:13 PM

العراق ويوم السيادة.. نظرة نحو المستقبل

د. خالد قنديل

من حروب أنهكت مقدراته، إلى سنوات من الاضطراب السياسي والطائفي، وصولًا إلى الحرب على تنظيم داعش وما فرضته من تحديات وجودية، هكذا بدا العراق على امتداد عقود طويلة، ساحة لتراكمات سياسية وأمنية واقتصادية، تداخلت فيها الحروب والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، حتى بات الاستقرار هدفًا مؤجلًا تتطلع إليه أجيال متعاقبة، فما كان أمام البلد العريق وشعبه الذي وعى الدرس تلو الآخر، سوى أن اضطُر لأن يخوض معركته الوطنية الحقة والشاقة، لاستعادة دولته وترميم مؤسساتها، وبناء معادلة وطنية قادرة على حماية سيادته وصون وحدته.

وفي غمار هذا المسعى، الذي بدأ مساره منذ سنوات ليست بعيدة، لكن ما أُنجز خلالها كان كثيرًا ومؤثرًا ودافعًا للدولة، تأتي مغادرة آخر جندي أمريكي للبلاد، بانتهاء مهمة قوات التحالف الدولي وخروج القوات الأمريكية من العراق بعد اثني عشر عامًا، محطة مهمة في مسار استعادة القرار الوطني، وخطوة تحمل دلالات سياسية وسيادية تتجاوز بُعدها العسكري، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة تتحدد ملامحها بقدرة الدولة العراقية على إدارة شئونها الأمنية، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتحويل استحقاق السيادة إلى واقع ملموس يعزز الاستقرار ويؤسس لمستقبل أكثر توازنًا.

 

وهو ما نصدقه تمامًا في نبض كلمات رئيس حكومة العراق علي الزيدي خلال احتفالية "يوم السيادة"، وهو يفتخر بهذا التاريخ، ويؤكد أن العراق قد اجتاز بالفعل أحد أهم معاركه التاريخية، مستكملاً ملامح وجوهر السيادة على الأرض والسماء والمياه الإقليمية، بدافع من قرار الشعب العراقي وإصراره على هيبة الدولة.

لكن مغادرة القوات الأجنبية، على أهميتها، لا تعني بالضرورة انتهاء التحديات التي واجهت العراق، ولا تمثل ضمانة تلقائية لاستقراره، بقدر ما تضع الدولة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على ملء الفراغ، وترسيخ مؤسساتها، ومعالجة الملفات العالقة التي ستظل محددًا رئيسيًا لمستقبلها، مثل قضية حصر السلاح بيد الدولة التي تأتي في مقدمة الملفات التي ستحدد جزءًا كبيرًا من ملامح المستقبل، باعتبارها حجر الزاوية في بناء منظومة أمنية موحدة، لا تتعدد فيها مراكز القرار العسكري، ولا تتعارض فيها الولاءات السياسية مع مقتضيات السيادة الوطنية، إذ أن وجود جماعات مسلحة خارج السيطرة الفعلية للمؤسسات الرسمية يضعف سلطة القانون، ويجعل القرار الأمني عرضة للتجاذبات الداخلية والحسابات الإقليمية، وقد أكدت الحكومة العراقية أن معالجة هذا الملف تتطلب مسارًا تدريجيًا يوازن بين فرض سلطة الدولة والحفاظ على الاستقرار الداخلي، في ظل تباين مواقف الفصائل المسلحة من مسألة نزع السلاح أو الاندماج في المؤسسات العسكرية، وفي هذا المضمار الشاق يمكن التنبؤ بمسار إيجابي، في ضوء ما تم إنجازه على مستويات عدة سواء في ظل حكومة السوداني، أو ما بدا من تحركات لرئيس الوزراء الحالي علي فالح الزيدي، الذي أكد أن الحكومة، تحركت بالفعل في هذا الملف الحساس، والمتشعب من حيث نزع سلاح جماعات مسلحة غير عراقية وأخرى عراقية، والعمل على منع استخدام أجواء العراق وأراضيه لتنفيذ عمليات بالنيابة عن أطراف أخرى، أو تهدد دول الجوار، على أن تبدأ معالجة هذا الملف وفق خارطة طريق وجداول زمنية تنتهي في الثلاثين من يونيو العام المقبل، وعليه فإن الاتصالات السياسية مع الفصائل المسلحة خطوة مهمة وإيجابية في طريق التوصل إلى آليات تنفيذ هذه الخطة، والاعتماد على الحوار والسبل القانونية والدستورية في المعالجة، بما يعني نجاح بغداد في بناء توافق وطني حول هذا الاستحقاق، وفق أُطر دستورية واضحة، الأمر الذي سيشكل اختبارًا جوهريًا لقدرة الدولة على استعادة احتكارها المشروع للقوة.

ومن هنا يبرز الملف الأمني الأشمل والأعم، بوصفه تحديًا قائمًا، إذ إن انتهاء مهمة التحالف لا يعني زوال خطر تنظيم داعش أو أي تنظيمات أخرى، ربما تنتظر خلاياها الفرصة السانحة لاستغلال ثغرات أمنية وفراغات جغرافية وحدود مضطربة، وهو ما يستوجب ـبالضرورة- تطوير قدرات الجيش العراقي والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وتعزيز التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية، ورفع كفاءة المراقبة الحدودية، فضلًا عن امتلاك منظومات دفاع جوي متطورة تحمي المجال الجوي العراقي من الانتهاكات والتهديدات، وهو ما أشار إليه مسئول حول الأشواط التي قطعها العراق في هذا الصدد، من جهود تطوير قدرات الدفاع الجوي والاستطلاع، بما يعزز استقلالية المؤسسة العسكرية في مرحلة ما بعد انسحاب قوات التحالف.

 

أما على المستوى السياسي، فتظل المصالحة الوطنية وتجاوز الانقسامات الطائفية والحزبية شرطًا أساسيًا لتثبيت الاستقرار، إذ لا يمكن بناء دولة قوية في ظل استمرار المحاصصة والصراعات على النفوذ والمناصب، أو تغليب المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية. لذلك فمن الضروري أن نرى العراق يتحرك بثقة باتجاه صيغة حكم تعزز المشاركة السياسية، وتحفظ حقوق جميع مكوناته، وتدعم العلاقة الدستورية بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، بما يضمن توزيعًا عادلًا للموارد، وتسوية الملفات الخلافية المتعلقة بالصلاحيات والثروات والمناطق المتنازع عليها، خصوصًا وقد أعلنت وزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان، في بيان لها قبل انسحاب التحالف بيومين، أنها كجزء من منظومة الدفاع العراقية، فإن لديها علاقة متينة بالجيش العراقي أمنيًا ودستوريًا، وأنها ستواصل العمل المشترك والتنسيق، كما يُلاحظ أنها أعربت عن قلقها إزاء انسحاب القوات الأمريكية من الإقليم دون توفير منظومة دفاعية، وأكدت بوضوح أن حماية أجواء كوردستان تقع على عاتق الحكومة الاتحادية.

إن تجاوز التحديات الأمنية في العراق، سوف يكون وثبة كبيرة جدًا للتصدي بثقة أكبر إلى الملفات الأخرى كافة، ومنها الاقتصاد، والنجاح في تحويل الموارد الطبيعية التي يأتي النفط في مقدمتها، إلى قاعدة تنموية مستدامة، تنعكس على حياة المواطنين، وتوفر فرص العمل، وتحد من البطالة والفقر، وتدعم قطاعات الصناعة والزراعة والاستثمار، مع الاستمرار في مكافحة الفساد الإداري والمالي الذي أبلت فيه الحكومة بلاء حسنًا، وإصلاح مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير البنية التحتية، إذ تمثل جميعها استحقاقات لا تحتمل التأجيل، خاصة أن الاستقرار السياسي والأمني يظل هشًا ما لم يشعر المواطن بثماره في حياته اليومية.

في ظل تلك الجهود والمساعي والنتائج المتحققة، تلقائيًا سيصقل العراق تجربته في السياسة الخارجية التي يتبناها بثقة ووضوح واستحقاق، خصوصًا في ظل بيئة إقليمية مضطربة تفرض التوازن الذي يحمي استقلال القرار الوطني، ويجنب البلاد التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، فلا يصح وقتها إلا الصحيح بحكم الثقل السياسي والموقع وبحكم التاريخ، بتعزيز دور العراق كجسر للتواصل والحوار بين دول المنطقة، وأن تنطلق العلاقات مع الجميع من مبدأ المصالح المتبادلة واحترام السيادة، بعيدًا عن الاستقطاب أو الارتهان لمحاور الصراع.

ربما يكون رحيل آخر جندي أجنبي تحديًا يُحسب للحكومة ومؤسسات الدولة المعنية، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على استثمار اللحظة التاريخية لبناء دولة المؤسسات والقانون، وتوحيد القرار السياسي والأمني، وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، بما يعني حضور الدولة بكامل سلطتها وفاعليتها، وقدرتها على حماية مواطنيها وصون مقدراتها، وبين رمزية الانسحاب واستحقاقات المرحلة المقبلة، يقف العراق أمام فرصة لإعادة صياغة المستقبل، بحيث تكون نهاية مهمة التحالف البداية المؤكدة لاستعادة الاستقرار بقرار مستقل وصناعة مستقبل بإرادة أبناء الوطن.

نقلا عن " الاهرام"


تابعنا على
تصميم وتطوير