صحيفة ووكالة
الإخبارية المستقلة
الأربعاء 2026/2/18 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
بنها... حين يُقلِّد الشارع عنف الشاشة


المشاهدات 1022
تاريخ الإضافة 2026/02/17 - 9:05 AM
آخر تحديث 2026/02/17 - 8:14 PM

بنها... حين يُقلِّد الشارع عنف الشاشة

د. ياسر عبد العزيز

كاتب وخبير اعلامي مصري

بين ما نشاهده على الشاشات وما نفعله في الواقع صلة ما، والبعض يرى هذه الصلة علاقة تبادلية، أي تأثير وتأثُّر؛ وهو أمر يبدو مفهوماً ومنطقياً، لكن البعض الآخر يعتقد أن ما يظهر على الشاشة يمتلك تأثيراً حاسماً، بحيث يُقلِّده الناس أحياناً، ويستسيغونه، وهنا مكمن الخطر.

فخلال الأسبوع الماضي، انشغل الرأي العام في مصر بواقعة اختطاف شاب في إحدى قرى مركز بنها بالدلتا، على خلفية مزاعم عن علاقة عاطفية جمعته بفتاة. ووفق ما أعلنته الجهات الأمنية وتداولته وسائل الإعلام المحلية، أقدم عدد من الأشخاص على خطف هذا الشاب، ثم الاعتداء عليه بدنياً ومعنوياً، وتصويره وهو يرتدي بدلة رقص نسائية، في مشهد قُصِد به الإذلال والتشهير، قبل أن يوقَف المتهمون ويحالوا إلى التحقيق بتهم تتعلق بالخطف والاعتداء وهتك العِرض.

هذه الوقائع الثابتة تكفي بذاتها لإدانة الفعل قانونياً وأخلاقياً، غير أنها تفتح باباً أوسع للتأمل في المناخ الثقافي الذي يجعل من الإذلال عرضاً عاماً، ومن العقوبة مشهداً مطروحاً للتداول.

ليس خافياً أن صورة الشاب المُكرَه على ارتداء زي نسائي لم تولد في فراغ؛ فالذاكرة البصرية للجمهور العربي تستدعي على الفور مشهداً شهيراً من مسلسل «الأسطورة»، الذي عُرض في شهر رمضان عام 2016، وقام ببطولته الممثل محمد رمضان، حيث يُجبر خصم البطل على ارتداء ملابس نسائية في سياق انتقامي، في لقطة صُوّرت بوصفها ذروة إذلال تُكسر بها هيبة هذا الخصم. يومها صفَّق الجمهور داخل الدراما وخارجها لـ«الرد القاسي»، وتحوَّل المشهد إلى مادة مُتداوَلة على نطاق واسع. الفارق أن ما كان تمثيلاً صار، في واقعة بنها، ممارسة واقعية تتوسَّل المنطق ذاته؛ أي كسر الكرامة عبر التشهير العلني، وتحويل الجسد إلى أداة عقاب رمزي.

هنا تتجلَّى إشكالية تأثير الدراما العنيفة في المجتمع، وهي مسألة خضعت لعقود من البحث العلمي الرصين في جامعات ومراكز دراسات. فمنذ ستينيات القرن الماضي، أثبت ألبرت باندورا، عبر تجاربه في نظرية التعلم الاجتماعي، أن الأفراد يتعلمون السلوكيات العدوانية من خلال الملاحظة والمحاكاة، خصوصاً حين يُقدم الفاعل في صورة المنتصر الذي لا يناله عقاب. لم يكن الاستنتاج أن المشاهدة تُنتج جريمة حتماً، بل إنها تزرع أنماطاً إدراكية وسلوكية تجعل العنف خياراً مطروحاً ومشروعاً في الذهن. ومع تراكُم الدراسات المشابهة، ثبت وجود ارتباطٍ دالٍّ بين التعرض المتكرر لمحتوى عنيف وبين ارتفاع مستويات العدوانية، وتقبُّل استخدام القوة لحل النزاعات.

وفي سبعينيات القرن الماضي، طوَّر جورج غيربنر نظرية «الغرس الثقافي»، التي ذهبت إلى أن الاستهلاك الكثيف للشاشات، ولا سيما المضامين العنيفة، يعيد تشكيل تصور المشاهد للواقع. فالعالم يبدو أكثر قسوة، والناس أكثر استعداداً للبطش، والعقاب الفردي أكثر فاعلية من القانون البطيء. هذا الإدراك المتراكم لا يمر بلا أثر؛ إذ تشير بحوث لاحقة إلى أن من يكثرون من مشاهدة العنف الدرامي يميلون إلى تأييد العدالة الانتقامية، وإلى تقبُّل صور الإذلال بوصفها رداً مناسباً على «الخطأ».

وفي العقدين الأخيرين، أصدرت جمعيات علم النفس الغربية تقارير تحليلية خَلُصت إلى أن هذا التأثير الدرامي تراكمي، ويتجلى في ثلاثة مسارات رئيسية: زيادة الاستثارة العدوانية، وتعلم مسارات سلوكية جاهزة للاستخدام، وحدوث تبلُّد انفعالي يقلل التعاطف مع الضحايا.

حين نضع هذه النتائج إلى جوار مشهد «الأسطورة» وواقعة بنها، لا نزعم علاقة سببية مباشرة وبسيطة، فالسلوك الإجرامي نتاج شبكة معقدة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والتربوية. لكننا نستطيع، استناداً إلى الأدبيات العلمية، القول إن الدراما العنيفة تمدُّ المِخْيَال الجمعي بقوالِبَ جاهزةٍ: كيف يجري الانتقام، وكيف يُكسر الخصم، وكيف يُستعرض العقاب أمام جمهور. وحين يُكافأ البطل درامياً على فعله الانتقامي، ويُحتفى به شعبياً، تُرسَّخ رسالة ضمنية مفادها أن الإذلال أداة مشروعة لاستعادة «الهيبة».

إن أخطر ما في واقعة بنها ليس فقط جريمة الخطف والإذلال، بل البعد الاستعراضي فيها: التصوير والنشر والتداول؛ فقد تحوَّل العقاب إلى عرض، والجريمة إلى محتوى. وهذه البنية الاستعراضية هي عين ما غذَّته سنوات من الدراما التي جعلت من الكاميرا شاهداً على إذلال الخصم، ومن الجمهور شريكاً في التصفيق. هنا يتقاطع الواقع مع المتخَيَّل، لا لأن الشاشة تخلق المجرم، بل لأنها تهيئ الأرض الرمزية التي ينبت فيها الفعل.

 

المسؤولية، إذن، لا تكمن في دعوة إلى رقابة عمياء، بل إلى وعي نقدي، وإلى سياسات إعلامية رشيدة، وتعزيز التربية الإعلامية التي تُعلِّم المتلقي التفريق بين الدراما بوصفها بناءً تخييلياً وبين الواقع بوصفه مجالاً تحكمه قوانين وحقوق. فالمجتمع الذي يعتاد مشاهدة الكرامة تُداس على الشاشة قد يجد نفسه أقل فزعاً حين تُنتهك في الشارع.

نقلا عن" الشرق الأوسط"


تابعنا على
تصميم وتطوير