صحيفة
الإخبارية المستقلة
الإثنين 2026/4/13 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
الدولة التي تحول الأزمات إلى فرص سيادية


المشاهدات 1031
تاريخ الإضافة 2026/04/12 - 9:52 AM
آخر تحديث 2026/04/13 - 9:34 PM

الدولة التي تحول الأزمات إلى فرص سيادية

د. منتظر ناهي الزيدي

باحث في شؤون الطاقة والاقتصاد

تمثل الأزمات الكبرى في الجيوسياسة الدولية اللحظة التاريخية الفاصلة لإعادة ترتيب الأدوار القيادية وتثبيت مكانة الدول داخل سلاسل التوريد العالمية ، من هذا المنطلق يمتلك العراق اليوم فرصة استراتيجية كبرى لتحويل تهديدات مضيق هرمز إلى رافعة سيادية تخرجه من خانة الدولة المحصورة جغرافياً إلى رحاب الدولة المركزية في أمن الطاقة العالمي عبر تبني فلسفة تعدد الرئات التصديرية وتجاوز الاعتماد الكلي على المسار السابق بما يضمن تدفقاً مستداماً يصل إلى حاجز الستة ملايين برميل يومياً.

إن العودة القوية لمنظومة التصدير عبر خط جيهان التركي بطاقته القصوى لم تعد مجرد ضرورة اقتصادية بل هي استعادة لمحور الطاقة الشمالي الذي يربط الهيدروكربون العراقي بالعمق الأوروبي المتعطش للإمدادات المستقرة وبالتوازي مع ذلك تبرز الأهمية الاستراتيجية لربط الحقول الجنوبية بخط إلى ميناء جاسك الإيراني الواقع خارج منطقة التوترات الملاحية في مضيق هرمز وهو مسار يفرض نفسه عبر "البراغماتية الدولية" التي تعزز  أمن الإمدادات فوق أي اعتبارات سياسية أخرى إذ سيجد النظام الدولي وبدفع من الولايات المتحدة الأمريكية نفسه مضطراً لتبني هذا المسار كصمام أمان ومنفذ لتنفيس ضغط الأزمة الطاقوية التي قد تعصف بالأسواق العالمية في حال تعطل المضيق، وهذه فرصة ذهبية للعراق لتحويل الأزمة إلى فرصة سيادية الاقتصاد العراقي.

ميناء جاسك يمنح البترول العراقي ميزة تنافسية بالنسبة للصين التي تعتبر من أكبر مستهلكي الماقة في الشرق الأوسط وايضا الهند. لتحقيق هذه القفزة النوعية في زمن قياسي يتوجب على العراق الانعتاق من البيروقراطية التقليدية والتوجه نحو إبرام عقود التصميم والتوريد والإنشاء (EPC) مع الشركاء الصينيين القادرين على ضخ التكنولوجيا والعمالة المتخصصة لبناء البنية التحتية والمستودعات ومنصات التصدير العائمة وتطوير الأنابيب العابرة للحدود بسرعة فائقة تضمن وصول القدرة التصديرية الفعلية إلى عتبة الستة ملايين برميل(Target) وهو الرقم الذي سيعيد تعريف مكانة العراق داخل منظمة أوبك+ ليس من باب التفاوض التقليدي بل من باب فرض الأمر الواقع السيادي.

إن بناء هذه القدرات التصديرية الضخمة والمؤمنة بمنافذ متعددة سيجعل من حصة العراق الجديدة استحقاقاً فنياً لا يمكن تجاوزه وفق معايير الحصص القائمة على القدرة الإنتاجية المتاحة   (Production Capacity) والقدرة التصديرية المثبتة وبذلك يفرض العراق سقفاً جديداً لحصته يتناسب مع حجم استثماراته ودوره كضامن رئيسي لاستقرار السوق العالمي بدلاً من كونه الطرف المتأثر بتقلبات الجغرافيا السياسية للمنطقة ليكون هذا التحول هو الإعلان الحقيقي عن بزوغ فجر الدولة القوية التي تصنع من المحن فرصاً للسيادة والرفاه الاقتصادي المستدام.


تابعنا على
تصميم وتطوير