
قراءة في انكسار الشروط الأمريكية أمام الثوابت الإيرانية
رعد محمد حسن ناجي البدري
لم يكن إعلان وقف إطلاق النار الأخير مجرد تهدئة عسكرية عابرة، بل جاء كوثيقة سياسية تعكس تحولاً جوهرياً في موازين القوى الإقليمية. فبعد أكثر من شهر من التصعيد الذي استهدف كسر إرادة ايران والمقاومة المسلحة وتفكيك منظومة الارتباط بين الساحات، انتهى المشهد بصيغة توافقية بقبول مفاجىء للشروط الايرانية والتخلي عن الشروط ال15 التي اعلنتها امريكا لوقف العمليات العسكرية وأثبتت أن لغة الميدان هي التي فرضت معطياتها في نهاية المطاف، بعيداً عن سقف الطموحات الذي وضعها البيت الأبيض الأمريكي في بداية الأزمة. وردود الفعل الايرانية التي صدرت في حينها ..
النتيجة السياسية تراجع وتنازل في اللحظة الأخيرة (قبول الشروط الإيرانية). فرض واقع جديد والاعتراف الدولي بمطالبها (شروطها) المعدلة.
المعطيات الميدانية وفرض الواقع
لقد دخلت الولايات المتحدة في هذه المواجهة وهي ترفع شعار "الشرق الأوسط الجديد" القائم على عزل القوى الإقليمية وتقويض نفوذ حلفاء طهران. إلا أن الصمود الستراتيجي، والقدرة العالية في امتصاص الضربات الامريكية والاسرائيلية وتحويلها إلى استنزاف مستمر للجانب الآخر( المتمثل بامريكا واسرائيل) والضربات الايرانية للعمق الاسرائيلي المستمر ، وضع الإدارة الأمريكية أمام خيارين: إما الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة غير مضمونة النتائج، أو قبول الشروط الايرانية لوقف العمليات العسكرية ( الذي قد يكون تكتيكيا) المؤقت الذي حدث فعلا وهو افضل الحلول للامريكان.
انتصار "تلازم الساحات" وسقوط الفيتو الأمريكي
النقطة الأبرز في هذا الاتفاق هي قبول الشروط الإيرانية التي أصرت على أن يكون وقف إطلاق النار شاملاً ومترابطاً. فبينما كانت واشنطن تسعى لفرض اتفاقات منفصلة تهدف لاستفراد كل جبهة على حدة، جاء الاتفاق الأخير ليؤكد فشل المحاولة الأمريكية في فك الارتباط الاستراتيجي. هذا القبول الأمريكي لم يكن "تنازلاً دبلوماسياً"، بل كان اعترافاً ضمنياً بأن الضغوط القصوى لم تنجح في تغيير السلوك السياسي لايران أو حلفائها.
قبول الشروط: لمن الغلبة؟
عند قراءة بنود الاتفاق بعمق، نجد أن معايير النجاح مالت بوضوح نحو الرؤية التي طرحتها إيران، ويمكن تلخيص ذلك في ثلاث نقاط محورية:-
الخلاصة
إن قبول الولايات المتحدة لهذه الشروط في هذا التوقيت بالذات، يعكس إدراكاً متأخراً بأن القوة العسكرية لم تعد كافية لتغيير الجغرافيا السياسية في المنطقة. لقد نجحت إيران في إدارة معركة "النفس الطويل"، محولةً التهديدات إلى فرص لتثبيت معادلة ردع جديدة، تخرج منها واشنطن وهي تبحث عن مخارج تحفظ فيها ماء وجهها، بينما تخرج منها طهران كلاعب لا يمكن تجاهله او تجاوزه او اهماله في أي ترتيبات مستقبلية. وبالتالي نصل الى نتيجة مفادها هوالاعتراف بالواقع القائم المتمثل بقبول النسخة الإيرانية الذي يفسرأن أمريكا وإسرائيل سلمتا باستحالة التغيير الجذري للنظام أو سلوكه عبر القوة الصلبة فقط وفشلها بفرض سياسة "الضغط الأقصى".
ان التراجع في الدقائق الأخيرة يظهر خشية حقيقية من "حرب شاملة" غير محسومة النتائج، مما أعطى طهران نصراً دبلومسياً لا يقل أهمية عن الصمود العسكري, وهو بالتالي انكسارسياسي للثوابت الامريكية .
إننا اليوم أمام واقع جديد، ليس فيه مكان للشروط الإملاءات الأحادية، بل هو واقع يُكتب في ضوء معطيات الصمود ويُوقع عليه في لحظة أدرك فيها الجميع أن إرادة الشعوب وحلفائها أقوى من ترسانات السلاح وصخب التصريحات.
والمحصلة النهائية لم تستطع أمريكا ان تسوق او تفرض شروطها التي كانت هدفها الاساس للعدوان والمتمثل بموضوع السلاح النووي والصواريخ الباليستية وتفكيك الفصائل المسلحة المدعومة من ايران
وهذا بحد ذاته انتصارات لأيران وهزيمة لامريكا واسرائيل لفشلها بتحقيق أهدافها التي اعلنتها في بداية العمليات العسكرية رغم تفوقها العسكري باستهداف البنى التحتية الايرانية.