صحيفة
الإخبارية المستقلة
الأربعاء 2026/4/22 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
النفط الذكي حين تتحول الثروة إلى سيادة


المشاهدات 1019
تاريخ الإضافة 2026/04/22 - 8:43 AM
آخر تحديث 2026/04/22 - 12:52 PM

النفط الذكي حين تتحول الثروة إلى سيادة

د.منتظر ناهي الزيدي

في عالمٍ يتغير بسرعة، لم يعد النفط مجرد مورد يُستخرج ويُباع، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على إدارة ثرواتها بعقل استراتيجي. العراق، وهو أحد أهم الدول النفطية، يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يبقى أسيراً لنموذج تصدير الخام، أو أن ينتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها “إدارة النفط بذكاء”(إدارة سلسلة القيمة). الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها أن بيع النفط الخام واستيراد مشتقاته يمثل خللاً اقتصادياً عميقاً. فالدول لا تُبنى ببيع المواد الأولية، بل بتحويلها إلى صناعات متقدمة. كل برميل نفط يمكن أن يكون مشروعاً صناعياً متكاملاً، وكل متر مكعب من الغاز يمكن أن يتحول إلى فرصة استثمارية، لا إلى لهب يحترق في الهواء.الإدارة الذكية للنفط تبدأ من إعادة تعريف العقد النفطي نفسه. لم يعد العقد مجرد اتفاق فني لزيادة الإنتاج، بل يجب أن يكون أداة سيادية لإدارة الاقتصاد الوطني. عقد يربط الأرباح بالأداء، ويلزم المستثمر بنقل التكنولوجيا، ويجعل من الصناعة المحلية جزءاً لا يتجزأ من العملية الاستثمارية. بهذا المفهوم، تتحول العقود من أوراق قانونية إلى أدوات لبناء الدولة. لكن التحدي الأكبر لا يكمن في العقود فقط، بل في غياب الاستمرارية. كم من مشروع بدأ بقوة ثم تعثر؟ وكم من رؤية توقفت عند حدود التغيير الإداري؟ العراق لا يحتاج إلى مشاريع مؤقتة، بل إلى سياسة نفطية مستقرة، قائمة على مؤسسات قوية ومؤشرات أداء واضحة، تتجاوز الأشخاص وتبني نظاماً قادراً على الاستمرار.

وفي ظل التحولات العالمية نحو خفض الانبعاثات، لم يعد البعد البيئي ترفاً. العالم اليوم يربط الاستثمار بالطاقة النظيفة، ويكافئ المشاريع منخفضة الكربون. وهنا يكمن التحدي والفرصة معاً: إيقاف حرق الغاز، استثمار التقنيات الحديثة، وتحويل الانبعاثات إلى قيمة اقتصادية. النفط الذكي هو الذي يحقق الربح ويحافظ على البيئة في آن واحد. ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي. الاستثمار الذي لا يشعر به المواطن لن يستمر. المجتمعات المحلية يجب أن تكون شريكاً، لا متفرجاً. فرص العمل والتدريب وصناديق التنمية ليست مجاملات، بل شروط أساسية لاستقرار أي مشروع طاقوي. أما في جانب التمويل، فإن العالم لم يعد ينتظر الموازنات الحكومية. هناك نماذج حديثة تمكّن من تنفيذ المشاريع الكبرى دون إرهاق الدولة بالديون، عبر تمويل يعتمد على أصول المشروع نفسه. هذه الأدوات تمثل فرصة حقيقية للعراق إذا ما أُحسن استخدامها. لهذا نرى أن  العراق لا يعاني من نقص في الموارد، بل من فجوة في طريقة إدارتها. الانتقال من “نفط تقليدي” إلى “نفط ذكي” يعني الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج، من دولة تبيع الخام إلى دولة تصنع القيمة.

السؤال لم يعد: كم ننتج من النفط؟

بل أصبح: ماذا نفعل بكل برميل ننتجه؟

وهنا تُكتب قصة المستقبل.


تابعنا على
تصميم وتطوير