صحيفة
الإخبارية المستقلة
الخميس 2026/5/14 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
تشكيل حكومة العراق بين الترقب والتوقع


المشاهدات 1046
تاريخ الإضافة 2026/05/14 - 12:16 PM
آخر تحديث 2026/05/14 - 1:29 PM

تشكيل حكومة العراق بين الترقب والتوقع

د. خالد قنديل

عضو مجلس الشيوخ المصري

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ربما يبدو العراق واقفًا وسط حالة سياسية شديدة التعقيد، خصوصًا بعد تكليف علي الزيدي رئيسًا للحكومة، وقد بدا هذا التكليف أشبه بمحاولة لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية والخارجية. وبتأمل جميع المعطيات سواء المحطات السابقة لهذا التكليف، وما شهدته تلك المحطات من تطور ونضج في إدارة الملفات المختلفة من واقع الاصطدام والمواجهة مع الأزمات على مدار سنوات، فإن العراق اليوم لا يقف فقط أمام استحقاق تشكيل حكومة جديدة، بل أمام اختبار وجودي متعلق بصورة أكبر بقدرته على منع انزلاقه مجددًا إلى مربع الصراعات أيا كانت، سواء في الداخل الذي فطن لدروس الطائفية، وتأمل الجانب الإيجابي من التعددية، أو على المستوى الخارجي دوليًا وإقليميا في ظل المواجهات المفتوحة بين واشنطن وطهران، والتحسب من التحول إلى ساحة مستباحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

أمام هذه الصورة يجري سباقٌ مع الوقت للاستكمال على ما تم البناء عليه من تأسيس لدولة استوعبت جميع دروس الماضي، ووقفت على الأسباب الواضحة في عرقلة بناء دولةٍ قوية تستمد قوتها من امتدادها الحضاري والتاريخي، لتتصدى بحنكة لجميع الملفات التي من شأنها دفع هذه الدولة إلى آفاق أرحب تناسب هذا التكوين والتأثير. ومضمار السباق هنا يتقدمه رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي نحو تشكيل حكومة، بإمكانها أن تحظى بالقبول الداخلي والإقليمي والدولي، في معادلة من الطبيعي أن تواجه ارتباكًا ما، في ظل التعقيدات التي فاقمتها الحرب بين أمريكا وإيران، وأمام تجديد واشنطن مطالباتها لإقصاء أي فصائل مسلحة من التشكيل الحكومي ومن أي مناصب رسمية، وكذلك الضغوط المحتملة من القوى الموالية لإيران والمناهضة  في الوقت ذاته لأمريكا، فإن مهمة الزيدي تبدو محفوفة بالقلق قبل نحو خمسة عشر يومًا من انتهاء المهلة الدستورية لتقديم الحكومة التي سيتم تشكيلها.

والزيدي الذي يبلغ أربعين عامًا، وينحدر من الجنوب العراقي بمحافظة ذي قار، والذي نشأ في عائلة لها حضورها الاجتماعي، إداري وسياسي لديه خلفية أكاديمية تجمع بين القانون والجوانب المالية والمصرفية ويحمل درجة الماجستير، ودرجتي بكالوريوس في التخصصات المشار إليها، ويتميز بخبرة إدارية كبيرة، تراكمت من رئاسته مجالس إدارة عدد من المؤسسات، مثل مصرف الجنوب، وجامعة الشعب والشركة الوطنية القابضة، فضلًا عن عضويته بنقابة المحامين العراقيين، وفي ظل هذا التكوين لم تختلف توجهات الزيدي كثيرًا عن سابقه محمد شياع السوداني الذي أبدى استعدادًا كبيرًا للتعاون، في ضوء النظرة الأوسع لمستقبل العراق، ويبرز هذا التوجه في تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، والدفع نحو إصلاح مؤسسي شامل، والتركيز على تمكين الشباب وربط مخرجات التعليم بسوق العمل.

 

وعلى الرغم من ملامح الترحيب الرسمي والسياسي بتكليف الزيدي، داخليًا وخارجيًا، فإنه ترحيب حذر مشوب بالترقب، فقد سارعت الولايات المتحدة الأمريكية بإعلان دعمها له، وأجرى ترامب اتصالًا مباشرًا به، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تعتقد أنه الشخصية التي يمكن التعامل معها في المرحلة المقبلة. ولأن الترحيب الخارجي لا يعني بالضرورة وجود إجماع كامل في الداخل العراقي، فربما برزت انقسامات تقليدية بين قوى الإطار التنسيقي، والتيار الصدري، والقوى السنية والكردية، فضلًا عن بعض النفوذ للفصائل، لكنّ الصورة المتاحة الآن تسمح بوصف هذه الانقسامات بالاختلافات الصحية، التي تضع المشهد كاملًا على الطاولة وتفند إرادة جمعية، تتجاوز السؤال بقبول الزيدي، إلى هل هذا القبول يمكنه أن يصمد أمام معركة توزيع الحقائب؟ بصيغة أخرى هل يتحول التوافق رغم الاختلافات إلى رؤى ناجعة في تشكيل حكومة قادرة على إحداث الفارق وتحقيق طموحات الجميع حيال الوطن؟

إن الخبرة التي اكتسبها العراق خلال العقدين الماضيين، والصدام بين التوافق والمحاصصة في تشكيل الحكومات، الأمر الذي استهلك الدولة وعطل القرار التنفيذي فيها. ستكون ـ بلا شك ـ الدافع الأكبر أو بالأحرى الأسمى لتبسيط المعادلة المعقدة في تشكيل حكومة ترضي القوى السياسية المختلفة رضاء قائمًا على المصلحة الوطنية، لا رضاء لمجرد الانحيازات التي قد ينتج عنها حكومة بمثابة تجميع هش للتناقضات، والمؤشرات الإيجابية في هذا الصدد تنبعث من إدراك القوى العراقية الكبرى أن البلاد لم تعد تتحمل فراغًا سياسيًا طويلًا، خصوصًا في ظل تحدياتٍ قائمة اقتصادية وأمنية وإقليمية راهنة، كذلك فإن هناك  إرهاقًا شعبيًا طويلًا من الصراعات الداخلية، لا شك بات عامل ضغط فاعلًا على الجميع للقبول بتسويات أقل صدامية من السابق، مع النظر إلى الطرف الآخر من المعادلة، والذي لا يقل أهمية عن تجنب الصدامات، وهو إسناد المهام إلى الخبرات، التي تستوعب جميع الملفات، من الملف الأمني واستقرار الدولة  والتعامل مع الفصائل المسلحة، والتحسب من مخاطر عودة النشاط الإرهابي في بعض المناطق الهشة، فضلًا عن قضية الوجود الأمريكي العسكري ومستقبل العلاقة مع التحالف الدولي. ويقف العراق اقتصاديًا أمام مفترق طرق حقيقي. فالبلاد ـ نعم ـ تمتلك ثروة نفطية هائلة ومشروعات استثمارية ضخمة، لكن الاقتصاد العراقي يسعى إلى جعل الاعتماد على النفط مرحلة وجزءًا من معطيات إنتاجية مهمة كالإنتاج الزراعي والصناعي ، مع القضاء على البطالة بين الشباب، واستكمال مسارات التعاون التي تم البدء فيها مع دولٍ عربية وإقليمية ودولية، دون التخوف من تذبذب أسعار النفط وهبوطه، بما يعيد البلاد إلى دائة الاختناق. مع دفع مسيرة الحكومة السابقة في الإصلاح الإداري،  ومحاربة الفساد، وتنشيط الاستثمار، وتحسين الخدمات، والأهم الاستفادة من المناخ الإقليمي الحالي، ورغبة واستعداد قوى دولية وفي مقدمتها مصر  لدعم هدف الحفاظ على استقرار العراق.

نقلا عن الاهرام


تابعنا على
تصميم وتطوير