
طراز الحياة ابتلع المهن.. من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهلاك
د.مظهر محمد صالح
كانت خمسينيات بلادي وما تلاها زمناً اقتصادياً نابضاً بالحياة، تتشابك فيه الحرف التقليدية مع تفاصيل العيش اليومي، حتى غدت كل مهنة حلقةً أساسيةً في دورة المجتمع. لم يكن الشيء يُقتنى ليُستهلك ثم يُلقى، بل كان يُصان ويُرمَّم، ويُورَّث أحياناً، في ثقافة تؤمن بقيمة العمل وقيمة المادة معاً.
كان حذاء طفولتي، الذي صنعته سواعد أبناء بلادي، أكثر من قطعة جلد تُلبس ، كان ثمرة خبرة صانع، ونتاج اقتصاد محلي يحترم المهنة ويمنحها مكانتها. فإذا تمزقت إحدى واجهاته بسبب لعب الصغار أو وعورة الطرق، لم يكن مصيره سلة المهملات، بل كان ينتقل إلى يد الركّاع أو القندرجي، ذلك الحرفي الذي يعيد إليه الحياة. وكانت أحذية الأسرة كلها تتجمع في موعد معلوم، لتأخذ طريقها إلى أشهر مصلح أحذية في المدينة، فيرقع، ويخيط، ويبدل النعال، ثم يختم عمله بطبقة من الأصباغ والملمعات، فتعود الأحذية وكأنها خرجت للتو من يد صانعها.
كان ذلك المشهد يمثل (اقتصاداً دائرياً- Circular Economy بالفطرة )قبل أن تعرف البشرية هذا المصطلح بسنوات طويلة؛ فالصانع، ومصلح الأحذية، وبائع الجلود، وصانع المسامير، وتاجر الأصباغ، جميعهم كانوا يعيشون من دورة إنتاج وصيانة متكاملة تحفظ المال والموارد، وتديم فرص العمل.
ثم تغيرت الحياة، وتغير معها طرازها وأنماط المعيشة. وغزت البضائع المستوردة الأسواق، وسيطرت ثقافة الاستبدال على حساب ثقافة الصيانة، واختفت تدريجياً ورش الركّاعين والقندرجية، وغابت أصوات مطارقهم ورائحة الجلود والأصباغ التي كانت تعبق بها الأسواق القديمة. وطُويت صفحة رجل بسيط، لكنه كان يحمل بين يديه علماً متوارثاً وعدة متقنة، تضم أنواع المسامير والكلاليب، وماكينات الخياطة الثقيلة، والمخيط اليدوي، والأزاميل، وأصناف الأصباغ والملمعات التي كانت تمنح الحذاء عمراً جديداً.
حدثني شاب عن والده، الذي كان من أمهر القندرجية في بغداد، فسألته عن مصير مكائن صناعة الأحذية ومعدات صيانتها التي أفنى عمره معها. تنهد بحسرة وقال: «مات والدي، ومات معه معظم إخوته، وماتت المهنة، وأُغلق السوق». كانت جملة قصيرة، لكنها تختصر نهاية مرحلة كاملة من تاريخ المدينة.
وتألمت حين رأيت حفيدي يستبدل حذاءه بسبب عيب بسيط بحذاء جديد، وأنا أعلم أن مصلحي الأحذية الذين كانوا يعيدون للحذاء عمره قد اختفوا، وأن أدواتهم صدئت أو بيعت خردة، وأن أبناءهم اتجهوا إلى مهن أخرى فرضها واقع اقتصادي جديد. عندها أدركت أن خسارتنا لم تكن حذاءً فحسب، بل كانت خسارة لذاكرة مهنية، وثقافة إنتاج، وقيم اجتماعية كانت تؤمن بأن الإصلاح فضيلة، وأن دوام النعمة في حسن رعايتها.
وليس العراق وحده من شهد هذا التحول ،فقد عرفت مدن العالم، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تغيراً جذرياً مع التصنيع الكثيف والعولمة وظهور المنتجات منخفضة الكلفة، فتراجعت مهن مثل إصلاح الأحذية، وصناعة السروج، وتصليح الأواني النحاسية، وإصلاح الساعات الميكانيكية، لتحل محلها ثقافة الاستهلاك السريع. وقد وصفت الدراسات الاقتصادية هذا التحول بأنه انتقال من اقتصاد الإصلاح إلى اقتصاد الاستبدال، وهو تحول رفع معدلات الاستهلاك، لكنه أسهم أيضاً في اندثار كثير من الحرف التراثية.
لقد كانت أسواق بغداد، ولا سيما سوق السراي، وسوق الصفافير، وسوق باب الآغا، والأزقة المتفرعة من شارع الرشيد، تحتضن عشرات الحرفيين الذين شكلوا جزءاً من هوية المدينة. وكان القندرجي، شأنه شأن الصفّار والخياط والنجار، شخصية مألوفة في النسيج الاجتماعي، تؤدي دوراً اقتصادياً وثقافياً يتجاوز حدود المهنة نفسها.
إن طراز الحياة الحديث منح الإنسان كثيراً من وسائل الراحة، لكنه، في المقابل، ابتلع مهناً عريقة، وأطفأ مصابيح ورش صغيرة كانت تعج بالحياة، واختزل العلاقة بين الإنسان والسلعة إلى معادلة بسيطة: اشترِ… ثم استبدل. وبين الأمس واليوم، لا يبقى سوى الحنين إلى زمن كانت فيه الأشياء تُصنع بإتقان، وتُصلح بمحبة، وتعيش أعماراً أطول، كما كان أصحاب المهن يعيشون بكرامة من عرق أيديهم، تاركين وراءهم إرثاً من الحرفة والإخلاص لا يزال يستحق أن يُروى للأجيال.
ختاماً، لم يكن الركّاع والقندرجي مجرد صاحبي مهنة، بل كانا جزءاً من منظومة اقتصادية واجتماعية تجعل من الإصلاح قيمة، ومن إطالة عمر السلعة فضيلة، ومن تدوير الموارد أسلوباً للحياة. وما نسميه اليوم كما ذكرنا بـ«الاقتصاد الدائري» ، اذ لم يكن ذلك الاقتصاد مفهوماً مستورداً في خمسينيات العراق وستينياته، بل كان ممارسة يومية راسخة في الأسواق والأحياء والبيوت.
ولعل المفارقة أن العالم المتقدم عاد اليوم يدعو إلى الحق في إصلاح السلع، وتقليل النفايات، وإعادة الاستخدام، بينما ما زلنا نبتعد عن تلك القيم التي عرفناها بالفطرة.
إن استعادة روح تلك المهن ليست استعادة للماضي بقدر ما هي استعادة لثقافة اقتصادية رشيدة، تجعل الإنتاج والصيانة والتدوير ركائز للتنمية المستدامة، وتحفظ الموارد، وتعيد الاعتبار الى الانسان المنتج قبل الانسان المستهلك.