
على مسرح الباطل
د.مظهر محمد صالح
"يخسرُ الإنسانُ نفسَه… كلما ازدادَ انشغالًا بإثباتها."
— المفكر حسين العادلي، جمال الحقائق
ليست كل المعارك جديرة بأن نخوضها، ولا كل الأحكام تستحق أن نقف أمامها مدافعين عن أنفسنا. ففي حياة الإنسان ساحاتٌ يخسر فيها كرامته، كلما بالغ في طلب الإنصاف من قلوبٍ لم تُرِد يومًا أن تكون منصفة.
ما أثقل العمر حين يُقضى على مسرح الباطل، حيث تتعالى الأصوات، وتغيب الضمائر، ويعلو ضجيج الأحكام على همس الحقيقة. هناك لا تُوزن الأرواح بصدقها، بل بما يُقال عنها، ولا تُرى النوايا البيضاء إلا من وراء ستائر الشك.
لقد أتعبتني الحياة وأنا أحمل قلبي بين يدي، أقدمه شاهدًا على نقاء سريرتي، وأحاول أن أُقنع من لا يريد الاقتناع بأن الطهر لا يحتاج إلى برهان، وأن الصدق لا يغيّر ملامحه كلما تبدلت ألسنة الناس.
وما أقسى أن تُستنزف وأنت تدافع عن بياض روحك أمام من اتخذ من الظنون عقيدة، ومن الإشاعات يقينًا. هناك يصبح الكلام عبئًا، والتبرير نزيفًا، لأن الحقيقة لا تُهزم بضعفها، بل بكثرة من يشيحون عنها.
اغتالتني أكاذيب خرجت من دخان الأمس، وأشعلتها حرائق الجهل، حتى كادت تُقنع الآخرين بأن الظل هو الأصل، وأن النور مجرد ادعاء. لكن الحقيقة، وإن أثقلها الصمت، تبقى أكثر رسوخًا من كل ضجيج، لأن الزمن وحده يعرف كيف ينفض الغبار عن الوجوه، ويعيد لكل إنسان صورته التي صنعها بيده، لا تلك التي رسمها له الآخرون.
ولعل الإنسان لا يُمتحن حين يواجه الكذب، بل حين يُغرى بأن يجعل حياته كلها ردًّا عليه. عندها يبدأ بفقدان شيء من ذاته مع كل محاولة للإثبات، حتى ينسى أن الحقيقة لا تستمد قوتها من كثرة المدافعين عنها، بل من ثباتها.
عند تلك العتبة أدركت أن بعض الصمت أبلغ من الخطب، وأن بعض الانسحاب أكرم من الانتصار، وأن الكرامة ليست في أن تُسكت خصومك، بل في ألا تسمح لهم أن يسرقوا سلامك.
سلام النفس لا يولد حين ينتصر الإنسان في جداله مع الناس، بل حين يتحرر من حاجته إلى تصديقهم، ويمضي بقلب مطمئن، تاركًا للحقيقة أن تبلغ وجهتها في الوقت الذي يكتبه الله لها.
فالحقيقة تشبه الفجر؛ قد يحجبها الليل طويلًا، لكنه لا يستطيع أن يمنع شروقها. أما الإنسان، فإن أعظم انتصاراته ليست أن يثبت نفسه للناس، بل أن يحفظها من الضياع وهو يحاول ذلك.
ربما لا ينتصر الحق دائمًا في موعده، ولا تُنصف الحقيقة كلَّ من يحملها، لكنهما لا يفقدان جوهرهما لأن الناس أنكروهما. فالحق لا يحتاج إلى ضجيج ليبقى حقًّا، كما أن الشمس لا تستأذن العيون لتشرق.
لهذا لم أعد أخشى أن يُساء فهمي، ولا أن تُكتب عني حكايات لا تشبهني. يكفيني أن أبقى وفيًّا لما أعرفه من نفسي، وأن أترك للزمن ما يجيده ،فهو أمهر من يكشف الأقنعة، وأعدل من يردُّ لكل إنسان صورته الحقيقية.
وأيقنت أن أخطر ما قد يخسره الإنسان ليس سمعته، ولا مكانته، ولا حتى انتصاره في أعين الناس ،بل أن يخسر نفسه وهو يلهث خلف إثباتها.
وحين فهمت ذلك… غادرت مسرح الباطل، لا مهزومًا، بل متحررًا.