صحيفة
الإخبارية المستقلة
الجمعة 2026/10/9 توقيت بغداد
معتمدة في نقابة الصحفيين العراقيين
حين يتحول سعر الصرف إلى عبء على المواطن العراقي


المشاهدات 1138
تاريخ الإضافة 2026/10/08 - 8:17 AM
آخر تحديث 2026/10/08 - 10:58 PM

حين يتحول سعر الصرف إلى عبء على المواطن العراقي

 

نيسان سليم رأفت 

تعديل سعر الصرف لا يبقى قرارا محصورا في حسابات وزارة المالية والبنك المركزي. في اقتصاد يعتمد على النفط لتمويل الدولة وعلى الاستيراد لتلبية جزء واسع من حاجات السوق، يصبح سعر الدولار عاملا مباشرا في تحديد كلفة السلع والخدمات، وبالتالي في تحديد ما يستطيع المواطن شراءه بدخله.

المشكلة تبدأ حين تتحرك كلفة السوق أسرع من الدخول. فالموظف والمتقاعد والعامل لا يملكون دخلا يرتفع تلقائيا مع ارتفاع الدولار، بينما يستطيع التاجر إعادة احتساب كلفته مع كل تغير في سعر العملة. وبين السعر الذي تحدده الدولة والسعر الذي تفرضه السوق الموازية، تتشكل فاتورة جديدة يدفع المستهلك جزءا كبيرا منها في النهاية.

لهذا فإن السؤال الحقيقي بعد تعديل سعر الصرف لا يتعلق بسعر الدولار وحده، وإنما بمن سيتحمل أثره الاقتصادي والاجتماعي، وكيف ستمنع الدولة انتقال كلفته كاملة إلى المواطن.

دخل قرار مجلس الوزراء رقم 544 لسنة 2026 حيز التنفيذ في السابع من تشرين الأول، محددا سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار، وسعر بيعه للمصارف بـ1510 دنانير، وللمستفيد النهائي بـ1520 دينارا للدولار الواحد.

ويأتي هذا القرار في وقت تشهد فيه السوق الموازية سعرا أعلى بكثير، إذ تجاوز الدولار في بغداد 163 ألف دينار لكل 100 دولار عند إغلاق السادس من تشرين الأول. والفارق بين السعرين لا يبقى داخل سوق الصرف، وإنما يمكن أن يجد طريقه إلى أسعار السلع والخدمات حين يعيد التجار احتساب كلف الاستيراد والتشغيل.

وهنا تظهر هشاشة الاقتصاد العراقي أمام تقلبات العملة. فالعراق يستورد نسبة كبيرة من احتياجاته، من الغذاء والدواء إلى الأجهزة وقطع الغيار والمواد الأولية، فيما تعتمد إيرادات الدولة بدرجة كبيرة على النفط. ولذلك فإن اضطراب سوق الصرف أو ارتفاع كلفة العملة الأجنبية يمكن أن يتحول بسرعة إلى ضغط على السوق المحلية.

الأكثر تعرضا لهذا الضغط هم أصحاب الدخول الثابتة. فالراتب لا يتغير بالسرعة نفسها التي تتغير بها أسعار السلع. ومع كل زيادة في الأسعار تتراجع القدرة الشرائية للدخل، وتصبح النفقات التي كانت ضمن المتاح أكثر صعوبة، خصوصا في الغذاء والصحة والتعليم والنقل.

وهنا لا تعود القضية مجرد ارتفاع في الأسعار، وإنما تبدأ آثارها في الظهور على بنية المجتمع نفسه. الطبقة الوسطى، التي تشكل أحد أهم عناصر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، تصبح أمام قدرة أقل على الادخار والإنفاق والاستثمار في مستقبل الأسرة. أما أصحاب الدخول المحدودة، فهم الأكثر تعرضا لأي موجة جديدة من التضخم.

ولا يكفي أن تنظر الدولة إلى السعر المحدد للدولار باعتباره المؤشر الوحيد للاستقرار. الاستقرار الحقيقي يظهر في السوق وفي قدرة المواطن على شراء احتياجاته بالدخل الذي يحصل عليه. وإذا بقي الفرق واسعا بين السعر المحدد والسوق الموازية، ستبقى آثار السياسة النقدية حاضرة في الأسعار حتى مع ثبات السعر الرسمي.

كما أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تقوم على مطالبة المواطن وحده بتقليل الإنفاق. فحين ترتفع أسعار الغذاء والدواء والنقل والخدمات، تصبح مساحة الاختيار محدودة، ويصبح ترشيد الاستهلاك إجراء دفاعيا مؤقتا لا حلا اقتصاديا.

الحل يحتاج إلى سياسة أوسع: دعم الإنتاج المحلي، تقليل الاعتماد على الاستيراد، ضبط الأسواق، معالجة أسباب اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، ومراجعة الإنفاق العام بما يعزز القطاعات المنتجة ويوفر فرص العمل ومصادر دخل تتجاوز الاعتماد على النفط.

وتزداد أهمية هذه المعالجة مع الضغوط التي تواجه المالية العامة. فمسودة موازنة عام 2027 تتضمن إنفاقا متوقعا بنحو 217 تريليون دينار، مع عجز يتجاوز 40 تريليون دينار، فيما اقترحت الحكومة اعتماد سعر 58 دولارا لبرميل النفط في تقديراتها. ويأتي ذلك في اقتصاد تبقى عائداته النفطية المصدر الأساسي لإيرادات الدولة، ما يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لتقلبات أسعار النفط وحركة السوق العالمية.

المطلوب رؤية اقتصادية تتعامل مع سعر الصرف باعتباره جزءا من منظومة كاملة، تبدأ من الإنتاج ولا تنتهي عند المستهلك. فالدولة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد ستظل أكثر تعرضا لتقلبات الدولار، مهما حاولت تثبيت السعر المحدد.

المواطن العراقي لا يحتاج إلى تحميله فاتورة جديدة تحت عنوان الصبر أو الترشيد. يحتاج إلى اقتصاد أكثر إنتاجا، وسوق أكثر انضباطا، ودخل يحافظ على قدرته الشرائية.

فاستقرار سعر الصرف لا يقاس بالرقم المعلن وحده، وإنما بما يبقى من قيمة ذلك الرقم في حياة الناس.


تابعنا على
تصميم وتطوير