
سيرة الفراغ في مقهى يتآكل بصمت.. قراءة وجودية في ضوء جان بول سارتر ومسرح العبث
بشرى الهلالي
كاتبة عراقية
تمهيد
تقدّم رواية "مذكّرات سيّدة كرخيّة" عالماً سردياً مشبعاً بكوميديا سوداء خافتة، تنتزع من القارئ ضحكة غير مسموعة ودمعة غير مرئية في آنٍ واحد. فهي لا تنشغل بالحكاية بوصفها تسلسلاً للأحداث، بل بوصفها وسيلة لكشف خلل عميق في بنية الوجود الإنساني، حيث يتبدى الإنسان ككائن يعيش على هامش المعنى، محاطاً بعالم فقد قدرته على تفسير نفسه. ومن هنا، تتشكّل الرواية كمساحة تأمل في ثلاثة مستويات متداخلة:
العبث كتجربة معيشة، والعدمية كنتيجة فلسفية، والكساد الفكري كبيئة تنتج هذا التآكل المستمر.
يظهر "المقهى" بوصفه الفضاء المركزي الذي يختزل هذا العالم، ليس كمكان عابر، بل كبديل رمزي للوطن حين يفقد اسمه ودلالته ويتحوّل إلى مجرد مساحة للعيش. في هذا المكان، تبدو الحياة باردة، برائحة متغيرة، كأنها تبدّل جلدها دون أن تغيّر جوهرها. هنا، تتعرّى النفس، كما يرى الراوي سليم القربان، من كل غطاء يزيّفها، فينكشف الإنسان على حقيقته الهشة، بلا أقنعة ولا أوهام قادرة على حمايته. وهكذا، يصبح المقهى "جمهورية" قائمة بذاتها، تتجاوز مفهوم الوطن، بل وتفرغه من معناه، في عالم لم يعد فيه الانتماء سوى وهم قديم.
ضمن هذا السياق، يمكن قراءة الرواية في ضوء الفلسفة الوجودية كما صاغها جان بول سارتر، حيث يُلقى الإنسان في عالم بلا معنى مسبق، ويُترك وحيداً ليصنع دلالته، كما يمكن ربطها بتقاليد مسرح العبث عند صامويل بيكيت ويوجين يونسكو، حيث اللغة تتعثر، والحدث يدور في حلقة مفرغة، والوجود يفتقر إلى غاية نهائية.
العبث بوصفه تجربة وجودية
يتجلّى العبث في الرواية بوصفه حالة شاملة تحكم تفاصيل العالم السردي. فالمقهى لا يقدّم نفسه كمكان للقاء بقدر ما يظهر كخشبة مسرح عبثي، تتحرك فوقها شخصيات بلا هدف، تتبادل الكلام دون أن تصل إلى معنى. إنهم يمجّدون الكسل ويقدّسون الملل، وكأن الزمن نفسه قد فقد وظيفته، وتحول إلى عبء يُستهلك بدلاً من أن يُعاش. هذه الحالة تذكّر مباشرةً بعالم صامويل بيكيت، حيث الانتظار يصبح الفعل الوحيد الممكن، دون أمل في تحقق.
يتعمّق هذا العبث في طبيعة الشخصيات التي تبدو جميعها وكأنها تعيش اختلالاً ما- فهناك الغاضبون الفارون من ماضٍ لا يستطيعون تجاوزه، والخائفون من مستقبل لا يملكون القدرة على مواجهته، والسعداء بجهلهم لأنهم لم يدركوا بعد حجم الفراغ الذي يعيشونه. في هذا التقسيم، يغيب الإنسان المتوازن، ويصبح الوعي عبئاً يقود إلى القلق، بينما يتحول الجهل إلى ملاذ زائف.
تتجسد العبثية أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يفقد كل فعل معناه الأصلي. فالمطرب الذي صدأ صوته لم يعد يغني إلا داخل لعبة دومينو، والطبيب يمارس مهنته بوسائل بدائية، والمتسول يجمع المال ليعيد توزيعه، وكأن الأفعال قد انفصلت عن غاياتها، وتحولت إلى طقوس فارغة. حتى اللغة نفسها تفشل في نقل التجربة، فيعجز السارد عن إكمال الحكاية، لتصبح الكلمات مجرد محاولة يائسة للإمساك بمعنى يتفلت باستمرار، وهو ما يقارب عالم يوجين يونسكو حيث تنهار اللغة وتفقد قدرتها على التواصل.
الوجودية: الحرية والقلق والعبء الوجودي
في ضوء الرؤية الوجودية، تبدو شخصيات الرواية ككائنات حرة، لكنها عاجزة عن ممارسة هذه الحرية. فالكاتب، الذي يفترض أن يكون قادراً على خلق المعنى، يجد نفسه مشلولاً أمام الورق، تتبخر أفكاره كلما حاول الكتابة. هذا العجز لا يعكس نقصاً في القدرة بقدر ما يعكس قلقاً وجودياً عميقاً، حيث تتحول الحرية إلى عبء ثقيل، ويصبح الفعل مستحيلاً رغم إمكانية حدوثه.
هذا التوتر يتكرر في أكثر من شخصية، فالقربان يعيش عمره وهو يخطط لمشاريع لا تنجز، ويؤمن بالكتابة كشرط للحياة دون أن يحققها، بينما يحاول أن يجد لنفسه موقعاً في العمل، لكنه ينتهي إلى المقهى، حيث تتساوى كل الأفعال في لا جدواها. هنا، يصبح الآخر أيضاً مصدر تهديد، لا ملاذاً، إذ تنهار الثقة بين الأفراد، ويتحول الجميع إلى كائنات متوجسة، تعيش في عزلة داخل جماعة.
الحرية في هذا العالم لا تقود إلى الاختيار الواعي، بل إلى الانزلاق الأخلاقي. فالكاتب يتحول إلى عرضحال يكتب حسب الطلب، و يفشي أسرار الخاتون، والمثقف يتخلى عن دوره النقدي ليصبح جزءاً من منظومة التزييف. إنها حرية بلا ضوابط، تعكس المأزق الذي أشار إليه جان بول سارتر حين جعل الإنسان مسؤولاً عن أفعاله في عالم بلا مرجعية أخلاقية ثابتة.
العدمية: سقوط المعنى وانهيار القيم
حين يبلغ العبث ذروته، يتحول إلى عدمية شاملة، حيث لا يبقى لأي شيء معنى ثابت. في هذا العالم، تتآكل القيم تدريجياً، فيصبح الكذب فضيلة، والنفاق وسيلة للنجاح، والدعارة مهنة يمكن تبريرها، بينما يتحول الإيمان إلى طقس فارغ. هنا، لا يعود هناك معيار للحكم على الأفعال، بل تتساوى جميعها في خوائها.
يتجلى هذا الانهيار في صورة الإنسان نفسه، الذي يبدو فارغاً كزجاجة عطر مرمية، فقدت رائحتها وقيمتها. كما يظهر في العلاقات الاجتماعية التي تتفكك، حيث يغيب الانتماء، ويتحول الفرد إلى كائن معزول، بلا عائلة أو جذور. حتى الموت يفقد جلاله، حين لا يجد الميت تابوتاً يليق به، ويُكتب اسمه بخطأ إملائي، في إشارة إلى موت القيم ذاتها.
يمتد هذا الانهيار إلى الحزن، الذي يتحول إلى طقس اجتماعي يُمارس بلا شعور، وإلى الذاكرة، التي لم تعد تنتج سوى أوهام. هنا، تتقاطع الرواية مع تصور فريدريك نيتشه حول "موت القيم"، حيث ينهار كل ما كان يمنح الحياة معناها، ويُترك الإنسان في مواجهة فراغ لا نهائي.
الكساد الفكري: البنية العميقة للأزمة
لا يمكن فهم هذا العالم دون العودة إلى الكساد الفكري الذي يشكّل بنيته العميقة. فالمثقفون في الرواية لا ينتجون معرفة، بل يعيدون تكرار خطاب واحد، والقراءة تنحسر، والكتابة تنعزل، بينما تهيمن الصور السطحية على المشهد الثقافي. في هذا السياق، تتحول الكتابة إلى مهنة مأزومة، تفقد قيمتها في مجتمع لا يقرأ، ويغيب فيه القارئ القادر على التفاعل.
القربان، الذي يقضي حياته في التخطيط دون إنجاز، يجسد هذا الكساد، كما يجسده الكتّاب الذين تحولوا إلى عرضحالجية، يقتاتون على معاناة الآخرين دون أن يقدموا حلولاً. حتى الزمن نفسه يصبح معطلاً، بفعل كثرة العطل والمناسبات، فيتوقف العمل، ويتكرس الركود.
هذا الكساد لا يقتصر على الفكر، بل يمتد إلى السياسة والاقتصاد، حيث تغرق الشخصيات في الديون، وتبتكر معاهدات وهمية لتبرير عجزها، وتعيش على قصص مختلقة تمنحها شعوراً زائفاً بالانتصار. وهكذا، يتحول المجتمع بأكمله إلى منظومة مغلقة، تعيد إنتاج فشلها باستمرار.
البنية السردية بوصفها انعكاساً للعبث
لا يقتصر العبث على مضمون الرواية، بل يمتد إلى شكلها السردي. فالنص يتسم بالتشظي، وتعدد الأصوات، وغياب التسلسل الزمني الواضح، ما يعكس الفوضى الداخلية التي تعيشها الشخصيات. كما أن تكرار المشاهد داخل المقهى، دون تطور حقيقي، يعزز الإحساس بالدوران في حلقة مفرغة، حيث لا شيء يتغير رغم مرور الزمن.
تكتسب قصة الخاتون بعداً رمزياً عميقاً، إذ يمكن قراءتها بوصفها استعارة للوطن المغتصب، الذي تواطأ أبناؤه على خيانته. فالصراع على الإرث، والخيانة، والعنف، كلها تعكس بنية السلطة والمجتمع في آنٍ واحد. ومع ذلك، لا تقدم الرواية حلاً لهذه الأزمة، بل تكتفي بكشفها، تاركة القارئ في مواجهة أسئلتها المفتوحة.
خاتمة
تكشف "مذكّرات سيّدة كرخيّة" عن عالم يتآكل من الداخل، حيث يتداخل العبث مع العدمية، ويتغذى كلاهما على كساد فكري عميق. إنها رواية عن إنسان يدرك هشاشته، لكنه يعجز عن تجاوزها، وعن مجتمع يعيش على أطلال معنى فقده منذ زمن بعيد. ومن خلال هذا التداخل، لا تسعى الرواية إلى تقديم خلاص، بل إلى تعرية الواقع، وفضح أوهامه، وترك القارئ في مواجهة سؤال الوجود كما هو: مفتوحاً، قلقاً، بلا إجابة نهائية. ومن خلال ربطها بفلسفة جان بول سارتر ومسرح العبث، يتضح أن الرواية لا تكتفي بوصف الأزمة، بل تجسدها فنياً، عبر لغة متوترة، وسرد متشظٍ، وشخصيات مأزومة.
إنها رواية تضع الإنسان أمام حقيقته العارية: كائن حرّ، لكنه عاجز، واعٍ، لكنه تائه، يبحث عن معنى، في عالم لا يقدّمه.
وفي هذا التوتر تحديداً، تكمن قوة النص: أنه لا يمنح القارئ عزاءً، بل يتركه داخل السؤال.